كلمة التحرير

الحكومة توضع نفسها في قفص الاتهام

 

تعاطي الرشوات وإختلاس الاموال العامة وسوء إستعمال السلطة للانتفاع الشخصي , كلها من الامور التي اعتاد المسئولين في الدولة على ممارستها .

وبالطبع لم يكن الناس غافلين عن تفشي الفساد في الاجهزة الادارية للحكومة من القمة الى القاعدة .

ولكن بعد افتضاح امر الحكومة مؤخراً وقيام الصحف بنشر اخبار حول اختفاء مبالغ بملايين الدولارات من خزينة الدولة , كنا نتوقع ان يهرع اركان الحكومة لتدارس الموقف والخروج بسياسة جادة نحو إستئصال جذور ظاهرة الفساد التي اصابت البلاد بالبلاء . ولكن التخبط والتلعثم كان من نصيب الحكومة كلما ارادت الرد على التهم الموجهة ضدها بانها تمارس وتشجع وترعى الفساد . فالحكومة تهربت من التخاطب بلغة الارقام في سياق ردها على الملاحظات المثارة حول الميزانية ولجأت الى اساليب التجريح والشتم .

ولم يدر عليها هذا الاسلوب اية فائدة بل عزز من مصداقية منتقديها .

كان بامكان الرئيس ريالى طبعاً ان يسحب السجاد من تحت اقدام المعارضة لو كان قد اقر علنياً بوجود ظاهرة الفساد وقام بوضع خطة حقيقية للقضاء عليها . ولكن يبدو ان الرئيس لم يجد في داخل نفسه القوة الكافية لاعلان الحرب على الفساد .

وحتى لو حدثت المعجزة وانقلب ريالى فجأة على هذه العادة الهدامة فانه من غير المحتمل ان يحقق الكثير بهذا الصدد إلا اذا قام اولاً بتصغير حجم حكومته المؤلفة من 50 وزيراً ونائباً للوزير مع الطلب من مجلس النواب تحديد راتب شهري معقول لرئيس البلاد ونائبه .

وفي غمرة تزايد النقمة الشعبية على الفساد المتفشي في الحكومة فان السكوت على هذا الامر وعدم إتخاذ اية خطوة بشأنه , سيعني ان الرئيس راضي تماماً عن استشراء هذه الظاهرة الخبيثة في اجهزة الحكم والمجتمع على حدٍ سواء .

 

بعد تلعثم الحكومة في الرد على تهم الفساد

زيادة الشبهات حول وجود

اساليب منظمة لاختلاس الاموال العامة بالجملة

§         مخصصات الرئيس ونائبه اكثر من مليوني دولار سنوياً .

§         امولا تقدر بـ 17 مليون دولار اختفت من خزينة الدولة منذ مجيء ريالى الى السلطة.

§         غياب المحاسبة والرقابة الفعالة يفسح المجال لنهب الاموال العامة .

تقرير خاص

هرجيسا. ارض الصومال 27 مايو 2004 (الهاتف العربي):-

فشلت حكومة رئيس جمهورية ارض الصومال طاهر ريالى كاهن في اعطاء اجوبة مقنعة للرأي العام في معرض ردها على الاتهامات الموجهة ضدها بأنها تمارس الفساد ونهب الاموال العامة للدولة .

وكان وزير التجارة السابق محمد حاشي علمي قد لمح في مطلع هذا الشهر الى وجود انتهاكات واسعة النطاق للاجراءات المالية ونظم المحاسبة في الدولة وخاصة تلك المتبعة لدى وزارة المالية . وأشار محمد حاشي ايضاً الى إختفاء اموال من الخزينة العامة تقدر بمالا يقل عن 17 مليون دولاراً منذ مجيء الرئيس طاهر ريالى ونائبه احمد يوسف ياسين الى السلطة في مايو عام 2002 . وكان محمد حاشي الذي اقاله الرئيس ريالى عن منصبه في 3/5/2004 قد وجه إنتقادات شديدة الى الميزانية العامة التي اعدتها وزارة المالية الحالية حيث فندها بنداً بنداً , مشيراً الى وجود اخطاء وخلل متعمد في الميزانية .

وقد اثارت انتقادات محمد حاشي للسياسة المالية للحكومة ضجة واسعة النطاق لدى الراي العام بصوماليلاند .

وقد جاءت ردود الحكومة حول هذا الامر ضعيفة للغاية إذ لم تقدم ما تدحض به الاتهامات والانتقادات الموجهه اليها والمتعلقة بالفساد المالي والاداري المتفشي في الاجهزة الحكومية .

وعلى سبيل المثال لم تحاول الحكومة التعرض لصحة الارقام التي احتوتها ملاحظات محمد حاشي حول الميزانية فضلاً عن حقيقة ملايين الدولارات من ايرادات الدولة والتي لا يعرف حتى الان كيف جرى إستعمالها .

واغتنمت المعارضة الفرصة لتوجيه سيل من الانتقادات الى الحكومة مشيرة الى قضية ممارسة الفساد في اجهزة الدولة كدليل قوي لفقدان الحكومة الحالية القدرة على قيادة البلاد .

وبدلاً من تقديم قرائن مادية لدحض إتهامات بالفساد و عدم القدرة على الحكم , لجأت الحكومة الى اسلوب الهجوم الشخصي على منتقديها مما اثار شكوك واسعة بان اركان الحكومة يحاولون إخفاء الحقيقة عن اعين الناس .

وبالرغم ان مجلس الوزراء قد وافق على الميزانية في الثالث من هذا الشهر إلا ان المشروع لم يرفع الى مجلس النواب سوى قبل عدة ايام بعد ان جرى تعديلها بدون علم مجلس الوزراء . وتضمنت النسخة الجديدة من وثيقة الم مخصصات إضافية لمجلس النواب تقدر بحوالي نصف بليون شلن . واعتبرت الزيادة محاولة من الحكومة لشراء تاييد غالبية اعضاء المجلس لمشروع الموازنة عند طرحه للمناقشة في المجلس النيابي ابتداءً من السبت المقبل .

وفي مؤتمر صحفي عقده يوم الثلاثاء الماضي , انتقد محمد حاشي مجدداً سياسة بنك صوماليلاند التي تعتمد سعرين لصرف الشلن الصوماليلاندي امام الدولار وهما سعر السوق الحره والسعر الذي يحتسب رسمياً في معاملات الدولة بواقع 3500 شلن للدولار ( السعر الحالي في سوق العملات الحره 7300 شلن للدولار).

وقال حاشي ان السعر الرسمي الذي يعتمده البنك يعتبر بؤرة اساسية للفساد والمالي .

وبشأن سياسة الحكومة برفع الضرائب على بعض السلع المستوردة , قال محمد حاشي ان الزيادة لن تؤدي سوى الى إثقال كاهل المستهلكين من الفقراء والمساكين وذوي الدخل المحدود من المواطنين , مضيفاً بان الزيادة لن تؤثر على طبقة كبار التجار ولا على الحكومة .

واستطرد حاشي في كلامه قائلاً ان الشعب اصبح ضحية لمؤامرة اطرافها كبار التجار والبنك وقصر الرئاسة ووزارة المالية لامتصاص دماء المواطنين دون رحمة .

ومن الملاحظ ان الحكومة لم تعتمد بعد استراتيجية مناسبة لمواجهة الانتقادات التي تتعرض لها بشأن قضية الفساد في اجهزة الدولة .

بل بالعكس فان تصريحاتها على لسان وزير المالية وبعض القياديين من حزب ادوب الحاكم جاءت بنتائج عكسية نظراً لفقدانها عناصر المصداقية .

وحتى الان لم تتخذ حكومة الرئيس ريالى اية خطوات بشأن افتقار الانظمة المعمولة بها لدى هيئات الدولة على الشفافية والمحاسبة . واصبح الناس يتسألون لماذا لا يتخذ الرئيس ريالى موقفاً واضحاً من قضية الفساد خصوصاً بعد ان اطلع الناس على حجم مخصصات الرئيس ونائبه والتي تفوق المليوني دولار سنوياً .

من جانب آخر ظهرت في الاونة الاخيرة مؤشرات حول وجود إختلاسات منظمة لاموال الدولة يقوم بها كبار رجال الدولة بمعرفة القصر الجمهوري .

واستبعدت مصادر واسعة الاطلاع ان يقوم الرئيس طاهر ريالى باية تغييرات في سياسته المتماشية مع الفساد في المستقبل .

ولكن بعد ازدياد النقمة الشعبية على الحكومة وهبوط شعبيتها الى اسفل الدرجات من جراء انفجارات فضائح الفساد , فانه قد بات من المستحيل تجاهل الضغوطات الشعبية الهائلة التي تطالب بالحرب على الفساد وإدخال اصلاحات جذرية في النظام الاداري للحكومة للحد من هذه الظاهرة وضمان عدم تكرارها عن طريق تعميق ضوابط الشفافية والمحاسبة في العمل الحكومي .

 

مباحثات صوماليلاندية – بريطانية حول التعاون الامني

 

هرجيسا. 27/5/2004 ( الهاتف العربي):-

تباحث مسئولون صوماليلانديون يوم الثلاثاء الماضي مع اعضاء وفد بريطاني زائر حول مسألة إرساء علاقات تعاون بين البلدين في المجال الامني.

وذكر ناطق باسم الحكومة الصوماليلاندية بان الجانبان تبادلا الافكار حول الاوضاع الامنية في المنطقة في ضوء عدد من الهجمات الارهابية التي شهدتها جمهورية صوماليلاند مؤخراً.

وعلمت الهاتف العربي ان الجانب الصوماليلاندي عرض على الوفد البريطاني بعض الاحتياجات الضرورية لتعزيز قدرات الاجهزة الامنية الصوماليلاندية لمكافحة الارهاب . وقد وعد الجانب البريطاني بدراسة هذه المتطلبات لاتخاذ ما هو مناسب بشأنها في المستقبل .

وقد غادر الوفد البريطاني البلاد عصر يوم الاربعاء .

 

الجمعية النسائية لحركة SNM تهنئ بذكرى 27 مايو

هنأت الجمعية النسائية لحركة مجاهدي SNM مقاتلي الكفاح المسلح والشعب الصوماليلاندي باسره بمناسبة حلول الذكرى السادسة عشر لهجوم 27 مايو عام 1988 الذي اقتحمت فيه قوات الحركة الوطنية الصومالية The Somali National Movement مدينة برعو , ثاني اكبر مدينة في صوماليلاند, وذلك في هجوم صاعق استهدف مواقع قوات نظام سياد بري الدكتاتوري في منطقة برعو .

وشن فوج آخر من قوات SNM هجوماً مماثلاً على مدينة هرجيسا في 31 مايو 1988 .

وبدأ العد التنازلي لعمر نظام سياد بري منذ هجوم مايو الذي خلد في تاريخ صوماليلاند كأحد اعظم الملحمات التي خاضها شعب هذه البلاد لاسترداد سيادته الكاملة على تراب وطنه .

وتقيم الجمعية النسائية لحركة SNM حفلاً بفندق مانصور هذا المساء احتفاءً بهذه المناسبة  .

 

السودانيون يضعون اللمسات الأخيرة على اتفاق السلام

 

أفاد مراسل الجزيرة في كينيا حيث يجري وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق السلام بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان أن الحركة قبلت بنسبة 45% من قسمة السلطة في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق في مقابل تخلي الحكومة المركزية في الخرطوم عن منصب نائب حاكم الإدارة الإقليمية في الجنوب للحركة.

وقد أعلن الوسيط الكيني في المفاوضات لازاروس سومبيا التي تجري في منتجع نيفاشا استعداد الجانبين للتوقيع اليوم على عدد من البروتوكولات بعد أن تمكنا من تسوية القضايا الخلافية. ونقل مراسل الجزيرة هناك أن التوقيع سيكون بحضور دولي كبير، وقد يشمل تمثيلا إسرائيليا.

والبروتوكولات هي (بروتوكول مشاكوس للاستفتاء حول الوحدة أو الانفصال، وبروتوكول الترتيبات الأمنية خلال الفترة الانتقالية، وبروتوكول لتقاسم السلطة وآخر لتقاسم الثروة، وبروتوكول لوضعية أبيي وآخر لمناطق جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق.

وكانت وزارة الخارجية الكينية قد أعلنت يوم أمس استعداد الجانبين للتوقيع اليوم بعد أن تمكنا من تسوية القضايا الخلافية. غير أن خلافا انحصر في موضوع تقاسم السلطة بإقليمي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق أدى إلى عرقلة توقيع الاتفاق في اللحظة الأخيرة.

خطوة كبيرة

ويمثل الاتفاق خطوة كبيرة لإنهاء أطول حرب أهلية في أفريقيا وإن كانت دول أجنبية كالولايات المتحدة تأمل أن يغطي صراعا آخر مشتعلا في منطقة دارفور غرب البلاد حيث أدى القتال الدائر هناك منذ أكثر من عام إلى ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومن الخلافات الأخرى التي عرقلت توقيع الاتفاق هي تمثيل جنوب السودان في الهيئة التشريعية المستقبلية ومجلس الوزراء وإدارات الخدمة المدنية. فأثناء الجولة الحالية من محادثات السلام بكينيا اتفق الجانبان على فصل الدين عن الدولة وتشكيل جيش مشترك وإجراء استفتاء على استقلال الجنوب بعد فترة انتقالية.

وقال سامسون كواجي المتحدث باسم الجيش الشعبي لتحرير السودان إن الطرفين اختلفا على تمثيل الجيش الشعبي لتحرير السودان وحزب المؤتمر في الإدارة المؤقتة في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق الجنوبي, إضافة إلى منطقة أبيي.

واتفقت الحكومة والجيش الشعبي لتحرير السودان في يناير/ كانون الثاني الماضي على تقسيم الإيرادات النفطية في الجنوب مناصفة خلال الفترة الانتقالية التي تستمر ست سنوات. وتتجاوز عوائد النفط حاليا ملياري دولار سنويا من إنتاج 300 ألف برميل يوميا. كما اتفقا على ترتيبات أمنية بينها احتفاظ كل طرف بجيشه مع نشر قوات مشتركة في المناطق الإستراتيجية من البلاد.

المصدر : الجزيرة + وكالات

 

مجلس الأمن الأفريقي يبدأ مهامه بدارفور والصومال

 

تعهد القادة الأفارقة خلال افتتاح مجلس الأمن والسلام الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بالعمل على تسوية نزاعات القارة السمراء.

كما دعا المجلس الأطراف السودانية إلى الحوار وتجنب الصراع في إقليم دارفور.

وكانت الاجتماعات التمهيدية للجلسة الافتتاحية قد ركزت على بحث الأوضاع في غرب السودان الذي يعاني من النزاع المسلح ومن التردي الأمني الناجم عن هذا النزاع.

وقرر المجلس نشر أول العناصر من بعثة المراقبة المكلفة تطبيق وقف إطلاق النار غرب السودان في الأيام المقبلة.

وصرح المفوض المكلف السلام والأمن في الاتحاد الأفريقي سعيد دغينيت للصحفيين أن مجلس السلام قرر إرسال بعثة مراقبين مؤلفة من 60 مسؤولا عسكريا و30 مدنيا إلى خمس مناطق بدارفور سيرافقهم عند الحاجة 300 جندي.

وسيتألف فريق المراقبين من ممثلين للاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والحكومة السودانية والمتمردين. وقرر مجلس السلام أيضا تشكيل فريق التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان بدارفور.

كما أعلن المجلس الأفريقي المشكل على نمط مجلس الأمن الدولي أنه يرغب في أن يتم الانتهاء من محادثات السلام بشأن الصومال بحلول نهاية يوليو/ تموز القادم، وحذر من فرض عقوبات على قادة المليشيات الذين يعرقلون عملية السلام.

وحضر رؤساء دول وحكومات ثماني دول أفريقية على الأقل وممثلون عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وعدد من الدول الغربية إعلان تأسيس المجلس في أديس أبابا.

ويشكل إطلاق المجلس أحد المحاور الرئيسية لبناء الاتحاد الأفريقي الذي يهدف من وراء إنشائه للعمل بشكل فعال لمنع الكثير من النزاعات في القارة.

المصدر :الجزيرة + وكالات

 

قتلى بجيش المهدي والانتقالي يتوقع حكومة كاملة السيادة

 

أعلن الجنرال مارك كيميت نائب قائد العمليات في قوات الائتلاف بالعراق إن قواته قتلت "عددا كبيرا جدا" من جيش المهدي التابع الزعيم الشيعي مقتدى الصدر في اشتباكات في بغداد والنجف خلال الـ24 ساعة الماضية.

وأوضح كيميت أن العدد الكلي أقل من 100 قتيل وأن مدينة الصدر بالعاصمة بغداد شهدت مقتل أقل من 30 من أنصار الصدر. وكانت مصادر من جيش المهدي ومصادر طبية قد ذكرت في وقت سابق اليوم أن 13 عراقيا قتلوا كما جرح 33 آخرون في القتال الذي جرى في وقت مبكر من اليوم في النجف.

وقد أكدت مراسلة الجزيرة في النجف نقلا عن مصادر طبية في مستشفى المدينة العام، أن تسعة أشخاص قتلوا وأصيب أكثر من 50 آخرين في المعارك التي دارت بين قوات الاحتلال ومقاتلي جيش المهدي قرب مقبرة وادي السلام بالمدينة فجر اليوم.

وفي آخر فصول الشد والجذب بين الاحتلال وجيش المهدي قال مقتدى الصدر إن حل المشكلة القائمة مع القوات الأميركية في النجف وكربلاء يكمن في انسحاب قوات الاحتلال من العراق.

وأضاف الصدر في مقابلة مع مراسل الجزيرة في النجف أنه نفذ ما طلبته منه المرجعية الدينية لحل الأزمة متهما القوات الأميركية بتصعيد الموقف واستهداف الأماكن المقدسة.

وكانت قوات الاحتلال اعتقلت في النجف فجر اليوم السيد رياض النوري صهر مقتدى الصدر وأحد كبار مساعديه، كما اعتقلت ثلاثة من أشقاء الشيخ فؤاد الطرفي أحد مسؤولي مكتب الشهيد الصدر في النجف والدكتور عدنان الكلابي ممثل حركة الوفاق الوطني في المدينة. وقد أعلن الجنرال كيميت في وقت لاحق إن قواته سلمت رياض النوري إلى الشرطة العراقية بتهمة صلته بمقتل رجل الدين عبد المجيد الخوئي.

تطورات أخرى

وفي بغداد أفاد مراسل الجزيرة نقلا عن الشرطة العراقية أن عراقيين قتلا وأصيب ستة آخرون بجروح بينهم شرطيان في انفجار عبوة ناسفة صباح اليوم بشارع قصر الندى بمنطقة البياع جنوبي العاصمة العراقية.

كما انفجرت سيارة مفخخة في منطقة بلد روز بعقوبة شمالي شرقي بغداد، مما أسفر عن مقتل ثلاثة عراقيين وإصابة 18 آخرين بجروح بينهم عقيد في الشرطة العراقية.

من ناحية أخرى قررت شركة (إنتر إينيرغو سرفيس) الروسية إجلاء كل موظفيها العاملين في العراق بعد مقتل عدد من فنييها. وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن عراقيين وروسيين قتلوا وأصيب خمسة روسيين آخرين بجروح في هجوم تعرضت له حافلة كانت تقلهم جنوب بغداد.

حكومة ذات سيادة

ووسط احتدام الوضع على الصعيد الميداني قال الرئيس الدوري لمجلس الحكم الانتقالي العراقي غازي الياور إن العراق مقبل على تشكيل حكومة مؤقتة ستكون ذات سيادة كاملة.

وأكد الياور في مؤتمر صحفي في العاصمة العراقية بغداد أن مسودة مشروع نقل السلطة فيها كثير من الإيجابيات، مشيرا إلى أن العراقيين يطمحون إلى صلاحيات كاملة كتلك التي تتمتع بها أي حكومة في بلد يمتلك السيادة الكاملة.

ووصف الياور الحكومة الانتقالية المقبلة بأنها حكومة وطنية عراقية بحتة، موضحا أن الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لم يذكر أن اختياره لأعضاء الحكومة سيعتمد على التكنوقراط، منوها إلى أن هناك وزارات عملها سياسي بحت وهي بحاجة إلى سياسيين ووزارات أمنية تحتاج إلى مسؤولين أمنيين.

وكان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قد أكد في وقت سابق أنه يتفق مع الرئيس الأميركي جورج بوش على وجوب نقل كامل السيادة للشعب العراقي وبقاء القوات المتعددة الجنسيات تحت القيادة الأميركية.

وحول شكل الحكومة العراقية المقبلة والشخصيات التي ستتولى المناصب الرئيسية التي يعتبرها العراقيون سيادية, قال الإبراهيمي إن هناك شبه اتفاق على أن يكون رئيس الوزراء من الشيعة وأن يتمتع بالقدر الكافي من التأييد من قبل القوى السياسية.

المصدر :الجزيرة + وكالات

 

أميركا تستعد لمواجهة هجمات قريبة للقاعدة

 

قال وزير الأمن الداخلي الأميركي توم ريدج إن السلطات الأميركية لديها معلومات موثوقة حول إمكانية تعرضها لهجمات "إرهابية" خلال الأشهر القادمة.

وقال ريدج خلال لقاء تلفزيوني إن هناك تقارير مزعجة تتحدث عن احتمال وقوع هجمات على الولايات المتحدة خلال أحداث مهمة مثل الانتخابات الأميركية.

وأضاف أن "أهداف الهجمات غير واضحة، ولكنها كافية بالدرجة التي تجعل لزاما علينا أن نحافظ على حذرنا، ولنستمر في العمل طوال الوقت من أجل ضمان أمن الولايات المتحدة".

وأوضح "إذا ربطنا بين الأحداث التي ستجري في بلادنا خلال الأشهر القادمة وبين هذه التهديدات فإن ذلك كاف ليجعلنا قلقين"، غير أن ريدج اعتبر أنه لا ضرورة الآن لرفع درجة التأهب من اللون الأصفر التي هي عليه الآن".

وردا على سؤال حول الوقت الذي دخل فيه عناصر القاعدة للولايات المتحدة، قال ريدج "بعض الأحيان نتلقى معلومات حول وجود خلايا إرهابية في الولايات المتحدة، وبعض الأحيان تتحدث التقارير عن خلايا إرهابية قيد التأسيس".

تحذيرات ريدج تزامنت مع تأكيدات الناطق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان بأن مسؤولي تنفيذ القانون والأمن الداخلي يعملون على مدار الساعة لمواجهة التهديدات الأمنية التي تواجه الولايات المتحدة.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الأجهزة الأمنية الأميركية لديها معلومات حول وجود عناصر من تنظيم القاعدة في الولايات المتحدة يخططون لتنفيذ عدد كبير من الهجمات التي وصفتها بالإرهابية ضد أهداف أميركية.

ومن المقرر أن يعقد وزير العدل الأميركي جون آشكروفت ومدير وكالة التحقيقات الفدرالية (FBI) روبرت مولر في وقت لاحق اليوم مؤتمرا صحفيا يطالبون فيه الأميركيين بالتيقظ والتبليغ عن كل شخص يشكون بأنه ينتمي لتنظيم القاعدة.

وفي ما يتعلق بالأحداث الهامة التي ستشهدها الولايات المتحدة فإنه من المنتظر أن يلتقي ثمانية من قادة الدول في جورجيا الشهر القادم في إطار قمة الثماني، كما أن الذكرى السنوية للحرب العالمية الثانية ستقام في واشنطن في عطلة نهاية الأسبوع.

وستشهد الفترة القادمة مؤتمرين للحزبين الديمقراطي والجمهوري في ولايتي نيويورك وبوسطن، وذلك قبل الانتخابات العامة التي ستجري في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

المصدر :الجزيرة + رويترز

 

 

باكستان تندد بالهجومين وتتهم من وصفتهم بالإرهابيين

مصرع شرطي بانفجارين قرب مصالح أميركية في كراتشي

 

 

أدان وزير الإعلام الباكستاني شيخ رشيد أحمد الانفجارين الذين وقعا قرب مصالح أميركية في مدينة كراتشي جنوبي البلاد، واتهم من أسماهم بأعداء باكستان والإرهابيين بالمسؤولية عنهما. ووقع انفجار ثالث على مسافة ستة كيلومترات من سابقيه.

وقال أحمد للصحفيين إن من وصفهم بالإرهابيين غير راضين عن الدور الذي تلعبه بلاده فيما يسمى الحرب على الإرهاب وإنهم يواصلون شن هجمات داخل باكستان.

وانفجرت سيارتان مفخختان قرب القنصلية الأميركية العامة والمركز الثقافي الأميركي في مدينة كراتشي. وقال مراسل الجزيرة في باكستان إن الانفجارين أسفرا عن مقتل شرطي وجرح ما لا يقل عن 27 شخصا آخرين هم 11 شرطيا و10 صحفيين ومصوران وستة من المارة.

وأوضح المراسل أن الانفجارين وقعا بفارق نحو 25 دقيقة بنفس المنطقة، إذ توقفت سيارة حديثة بالقرب من المركز الثقافي الأميركي ثم انفجرت بعد مغادرة سائقها حسب ما ذكر شهود عيان.

وقد هرعت الشرطة إلى مكان الانفجار وأغلقت المنطقة وبدأت حملة تفتيش وبحث لكن لم تلبث أن توقفت سيارة تحمل لوحة أرقام حكومية في المنطقة بعد دقائق وانفجرت بعد مغادرة سائقها أيضا.

وقالت مصادر الشرطة الباكستانية إن الانفجار الثاني كان أقوى من الأول وإنه دمر الجدار الخارجي للمركز الثقافي الأميركي وتصاعدت في سماء المنطقة سحب من الدخان الأسود.

الجدير ذكره أن الشرطة الباكستانية كانت اعتقلت قبل أيام في كراتشي سبعة إسلاميين ينتمون إلى حركة المجاهدين العالمية التي تتهمها الحكومة بالمسؤولة عن محاولة اغتيال فاشلة للرئيس الباكستاني برويز مشرف في المدينة في أبريل/ نيسان عام 2002 وتفجير سيارة مفخخة استهدفت القنصلية الأميركية في يونيو/ حزيران من نفس العام وأوقعت 14 قتيلا.

وقد عثرت الشرطة لدى مداهمتها مخبأ المعتقلين على أسلحة رشاشة وقنابل ومواد تستخدم في صنع المتفجرات وقالت إن المجموعة كانت تخطط لشن هجمات في كراتشي.

وشهدت كراتشي -كبرى المدن الباكستانية والعاصمة الاقتصادية للبلاد- في السنوات والأشهر الماضية عددا من الهجمات والتفجيرات التي استهدفت مصالح أميركية وغربية خلفت عددا من القتلى والجرحى حملت الحكومة من وصفتها بجهات إسلامية متشددة أو تنظيم القاعدة المسؤولية عنها.

المصدر : الجزيرة + وكالات

 

راند": الإسلام الحداثي أكثر لياقة

ترجمة وتحرير: شيرين حامد فهمي .

هذه المقالة Civil Democratic Islam:Partners, Resources, and Strategies أنتجتها مؤسسة "راند" البحثية التي عكست رؤيتها للفروقات والتباينات بين الفئات والجماعات الإسلامية المختلفة في العالمين العربي والإسلامي، والتي رأت في الإسلاميين الحداثيين حلا لعلاج الأزمة الراهنة بين العالم العربي/الإسلامي والولايات المتحدة الأمريكية.

وتعتبر راند -التي تأسست منذ 50 عامًا- مؤسسة غير ربحية، ترتكز جهودها على إيجاد حلول فعالة للتحديات التي تواجه القطاعات العامة والخاصة في العالم. و"إسلام أون لاين.نت" ليست معنية هنا بتقييم تلك الرؤى، إنما هي معنية بنقلها للقارئ العربي بدون تدخل؛ فلنقرأ معًا ملخص المقالة...

لا يوجد أدنى شك في أن الإسلام الراهن بصدد أزمة واضحة، تتلخص في كونه محاصرا بآراء مختلفة ومتباينة -بل متضادة- حول ماهيته، وتعريفه، وحول موقعه في وسط العالم. هذا الصراع الفكري المتواجد بين المسلمين، كذلك المتواجد في خارج أوساط المسلمين.. أوقع الإسلام الراهن في حالة متقلبة ومتطايرة؛ حيث تزعم كل فئة أنها الأحق في الهيمنة الروحية والسياسية على المسلمين. وبالطبع كان لهذا الصراع آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية على بقية العالم. ومن ثم يسعى الغرب في بذل جهد مضاعف من أجل فهم هذه "الحالة" والوقوف عليها، وأخيرًا التأثير في عواقب هذا الصراع.

ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية بل العالم الصناعي المتمدن بأسره يفضلون عالمًا إسلاميًا يتماشى مع بقية النظام؛ أي يريدون عالمًا إسلاميًا يتسم بالديمقراطية، بالقابلية للنمو، بالاستقرار السياسي، بالتقدم الاجتماعي، بالتبعية لقوانين ومعايير السلوك الدولي. هذا بالإضافة إلى أن هذا العالم الإسلامي "المفضل" مُلزم بالمساهمة في منع أي "صدام للحضارات"، بكل صوره المتاحة والممكنة الممتدة من القلاقل المحلية المتصاعدة (بسبب الصراعات بين الأقليات المسلمة والمواطنين "الأصليين" في الغرب) إلى العمليات العسكرية المتصاعدة عبر العالم الإسلامي، وما ينتج عنها من إرهاب وعدم استقرار.

ومن ثم.. فإنه من الحكمة والاتزان تشجيع تلك العناصر -المتواجدة في داخل الخلطة الإسلامية- التي تُظهر أكبر قدر ممكن من التعاطف والانسجام تجاه السلام العالمي، والمجتمع الدولي والديمقراطية والحداثة. إلا أن الأمر لا يبدو بهذه السهولة؛ فتعريف تلك العناصر وإيجاد الأسلوب الأمثل والأنسب للتعامل معها ليس بالأمر الهين.

إن أزمة الإسلام الحالية تتشكل من مكونين أساسيين: فشل في الازدهار والنجاح، وفشل في التواصل مع الاتجاه العالمي السائد. فقد قبع العالم الإسلامي على امتداد فترات طويلة تحت ظلال التخلف والضعف، وبالرغم من خوضه تجارب كثيرة وعديدة -من القومية إلى العروبة إلى الاشتراكية إلى الثورة الإسلامية- فإنها صبت جميعًا في خانة الفشل الذريع؛ وهو ما أسفر عن نشوء حالات الإحباط والغضب التي وقفت سدًا منيعًا ضد الازدهار والنجاح. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان سقوط العالم الإسلامي من خريطة الثقافة العالمية الراهنة.. هو الفشل الثاني.

أربعة مواقف إسلامية

وحول إزاحة هذه الصور من الفشل -سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي- لا يقدم المسلمون تصورا موحدا، أو رؤية متجانسة.. فيما بينهم. بل هم لا يتفقون على الشكل الذي يريدونه لمجتمعهم الإسلامي؛ فنجد أمامنا أربعة مواقف متباينة:

- الأصوليون الذين يرفضون القيم الديمقراطية والثقافة الغربية الراهنة. فهم يبغون دولة سلطوية متزمتة، تطبق رؤيتهم المتشددة للقانون الإسلامي. إلا أنهم لا يمانعون استخدام التكنولوجيا الحديثة للوصول إلى هدفهم.

- التقليديون الذين يسعون إلى خلق مجتمع محافظ، مع الابتعاد بقدر الإمكان عن كل ما يمت بالتغيير والتجديد والحداثة.

- الحداثيون (أهل الحداثة) الذين يبغون عالما إسلاميا مندمجا في داخل الحداثة العالمية؛ مما يستلزم -من وجهة نظرهم- تحديث الإسلام وتغييره ليتماشى ويتواكب مع ظروف العصر.

- العلمانيون يريدون عالما إسلاميا مختزلا للدين في الدوائر الخاصة على غرار الديمقراطيات الغربية؛ حيث الفصل بين الدولة والكنيسة.

وقد تتخذ هذه المجموعات الأربع مواقف متباينة تمامًا بصدد تلك القضايا التي بات لديها حساسية قصوى في عالمنا الإسلامي؛ مثل قضية التحرير السياسي والاقتصادي والتعليم ووضع المرأة وشرعية الإصلاح والتغيير وكيفية التعامل مع الغرب.

فأما الأصوليون فهم يتبنون الاتجاه المناهض والرافض للغرب عامة وللولايات المتحدة خاصة، ساعين -بدرجات متفاوتة- إلى القضاء على الحداثة الديمقراطية. ومن ثم فإن تأييد هذه المجموعة ليس محل سؤال، إلا إذا كان الأمر متعلقًا باعتبارات تكتيكية مؤقتة. وأما التقليديون فهم يتبنون -بشكل عام- رؤى أكثر اعتدالا ووسطية، إلا أنهم لا يمثلون شريحة واحدة، بل شرائح متعددة ومختلفة؛ فمنهم -مثلا- من يقترب فكريا مع الأصوليين.. وفي النهاية لا يمكننا اعتبار أي أحد منهم -من التقليديين- ذا قناعة كاملة بالديمقراطية الحديثة، أو بثقافة الحداثة، وحتى إذا كانت لديه قناعة فهي تكون بالكاد.

وأخيرًا يتبقى لنا مجموعتان، نظن أنهما الأقرب إلى الغرب، إذا ما تحدثنا عن القيم والسياسات، هاتان المجموعتان هما: الحداثيون والعلمانيون، إلا أنهما -مقارنة بالمجموعات الأخرى- يعتبران الأضعف من حيث المصادر التمويلية ومن حيث البنية التحتية الفعالة أيضا، هذا بالإضافة إلى افتقاد المجموعتين إلى منبر جماهيري معبر، وإلى سند صلب قوي. ولا ننسى هنا التنويه عن مشكلة قد تواجه العلمانيين بصفة خاصة؛ ألا وهي عدم مقدرتهم على مخاطبة القطاع التقليدي المتواجد في قلب الجمهور الإسلامي.

وبالرغم من أن الإسلام "التقليدي (الأرثوذكسي)" يتضمن العناصر الديمقراطية التي تمكنه من محاصرة ذلك الإسلام "المتسلط القمعي" الذي يتبناه الأصوليون؛ فإنه لا يستطيع التماشي مع "قاطرة" الإسلام "الديمقراطي". إنما يقع هذا الدور على عاتق الحداثيين الإسلاميين الذين أحبطت فاعليتهم وقوضت حماستهم على يد الكثير من المعوقين.

ومن أجل إحداث تطور حقيقي في العالم الإسلامي، ومن أجل توجيهه وتحويله صوب المزيد من الديمقراطية والحداثة والتأقلم مع النظام العالمي الجديد.. تحتاج الولايات المتحدة -كما يحتاج الغرب- إلى النظر بإمعان وتدقيق في تلك العناصر والتيارات والقوى الإسلامية... التي من الصالح ومن اللازم تدعيمها؛ وكذلك النظر بإمعان وتدقيق في ماهية الأهداف والقيم التي تتبناها القوى الإسلامية المختلفة، والآثار المستقبلية التي ستعود على الولايات المتحدة إذا ما تم تطبيق الأجندات المصاحبة لكل تيار. ونعتبر أن هذا الاقتراب -الذي سنعرضه الآن- يمثل رؤية محتملة وفعالة في نفس الوقت، لتحديد مسارنا تجاه القوى الأربعة التي ذكرناها سالفا بوجه عام.

اقتراب "ذو أربع شعب"

هذا الاقتراب يعتبر اقترابا متنوعا، يحتوي على العناصر الأربعة التالية:

أولا: تأييد الحداثيين:

- القيام بنشر وتوزيع أعمالهم بأسعار مدعمة.

- تشجيعهم على مخاطبة الجماهير والشباب والكتابة إليهم.

- تقديم آرائهم في مناهج التعليم الإسلامي.

- منحهم منبرًا جماهيريا يعبرون من خلاله عن وجهات نظرهم.

- جعل أحكامهم الشرعية تجاه المسائل الجذرية التي كثيرًا ما تثار في الخطاب الإسلامي في متناول أيدي الجماهير، كنوع من المنافسة مع الأصوليين والتقليديين الذين يمتلكون قنوات إعلامية وتعريفية متعددة؛ من مواقع على الإنترنت، إلى دور للنشر، إلى مدارس، إلى معاهد، إلى قنوات أخرى كثيرة تساعدهم على ترويج أفكارهم.

- وضع العلمانية في اتجاه معاكس للحداثة؛ حتى لا يأتي بالأثر السلبي على الشباب المسلم.

- جعل كل ما يخص تاريخهم وثقافتهم مادة متداولة، يسهل الوصول إليها في دور الإعلام وفي المناهج التعليمية للدول وثيقة الصلة بالموضوع.

- المساعدة على تنمية المنظمات المدنية المستقلة؛ بهدف الترويج للثقافة المدنية، وتوفير مساحة للمواطنين العاديين لكي يُثقفوا أنفسهم حول العملية السياسية، وتدريبهم على التعبير عن آرائهم.

ثانيا: دعم التقليديين ضد الأصوليين:

- نشر وترويج النقد التقليدي للعنف والتشدد الأصولي، وتغذية نقاط الاختلاف بين التقليديين والأصوليين.

- دحض أي فرصة للتقارب أو التحالف بين التقليديين والأصوليين.

- تعزيز ودفع التعاون بين الحداثيين والتقليديين القريبين للفكر الحداثي.

- تدريب وتثقيف التقليديين لجعلهم أكثر دراية وخبرة في مجادلة الأصوليين؛ فالأصوليون معروفون بتفوقهم النوعي في الخطاب، بينما يُعرف التقليديون بخطابهم السياسي غير المؤثر؛ خطاب "الإسلام الشعبي".

- تعزيز التواجد الحداثي في المؤسسات التقليدية.

- تأييد الاتجاه الصوفي، ونشره، والدعوة إليه.

- التمييز والتفريق بين الفئات المتباينة والمختلفة في داخل التيار التقليدي، ومن ثم تأييد تلك التوجهات التقليدية الأقرب للحداثة، مثل المدرسة الحنفية، وتمكينها من إصدار أحكام دينية، وترويج تلك الأحكام؛ بهدف إضعاف التوجه الوهابي، وإضعاف أحكامه الدينية المتأخرة. وقد يتعلق الأمر أيضًا بقضيتي التمويل والوعي؛ فلا بد من تقويض منافذ التمويل الوهابي التي تدعم المدرسة الحنبلية؛ وكذلك لا بد من تقويض الوعي الوهابي لكونه يمنع الكثير من المسلمين من التعرف على مواطن التجديد والتحديث التي شهدها الفقه الإسلامي، سواء من ناحية التنظير أو من ناحية التطبيق.

ثالثا: مواجهة ومعارضة الأصوليين:

- دحض نظرياتهم حول الإسلام، وإظهار عدم دقتها وصحتها.

- إظهار اتصالاتهم وعلاقاتهم بالجماعات والنشاطات غير القانونية.

- نشر العواقب الوخيمة الناتجة عن أعمال العنف التي ينتهجونها.

- إبداء قدراتهم الهشة في الحكم، وإمكانياتهم الضعيفة في الوصول إلى تنمية حقيقية تفيد مجتمعاتهم.

- توصيل هذه الرسائل -التي ذكرناها أعلاه- إلى الشباب المسلم، وإلى الجموع الغفيرة. من المتدينين التقليديين، وإلى الأقليات المسلمة في الغرب، وأخيرًا إلى المرأة المسلمة.

- تجنب إظهار أي بادرة احترام أو تقدير لأعمال العنف التي يتبنونها، وصبهم جميعًا في قالب "الجبناء" و"المخبولين"، وليس "الأبطال الأشرار".

- تغذية عوامل الفرقة بينهم.

- دفع الصحفيين للتنقيب والبحث في جميع القضايا المهينة التي يمكن أن تشوبهم وتنال منهم، مثل الفساد والنفاق وسوء الأدب.

رابعا: التأييد الانتقائي للعلمانيين:

- تأييد أولئك العلمانيين الذين يناهضون الأصوليين، والوقوف معهم في نفس الخندق لمحاربتهم، ولكن على الناحية الأخرى التثبيط من أي تحالف علماني مع القوى المعارضة للولايات المتحدة؛ سواء على الأرضية الوطنية أو الأرضية اليسارية.

- التعزيز من فكرة فصل الدين عن الدولة في الإسلام، وأن الأخير لن يتضرر من هذا الفصل؛ بل على العكس سيستفيد منه أكبر استفادة.

وبغض النظر عن الاقتراب أو جموع الاقترابات التي سيتم اختيارها؛ فنحن ننصح ونشد على أيدي المنفذين بأخذ الحذر الشديد -عند قيامهم بتلك المهمة- غير غافلين الاعتبارات التالية:

- الوعي الكامل بالثقل الرمزي لقضايا بعينها.

- إدراك الآثار المترتبة على التنسيقات التي ستحدث بين صناع القرار الأمريكيين وأولئك النشطاء الإسلاميين.. بلغة أخرى: ما ستسفر عنه هذه التنسيقات بالنسبة للنشطاء الإسلاميين الآخرين غير المدرجين في خريطة الإدراك الأمريكي؛ مما يمكن أن يكون له تأثيره السلبي على الجماعات التي نسعى إلى مساعدتها.

وأخيرًا.. دلالة هذه التنسيقات والمسميات التي ستأخذها في المستقبل

 

لماذا اشتعلت أسعار النفط؟

مجدي صبحي.

في مفاجأة تامة للجميع زادت أسعار النفط من حيث القيمة الاسمية إلى أعلى مستوى لها منذ 21 عاما؛ حيث زاد سعر النفط الخفيف الأمريكي إلى 41.5 دولارا للبرميل، بينما صعد سعر برميل النفط من نوع برنت البريطاني إلى أكثر من 38 دولارا للبرميل. هذا في الوقت الذي كان فيه معظم المتعاملين في أسواق النفط العالمية -وعلى رأسهم منظمة الأوبك- يرجحون انخفاض أسعار النفط خلال الربع الثاني من هذا العام؛ أي بدءا من شهر إبريل الماضي. وتقتضي هذه المفاجأة أن نعود إلى توضيح مسيرة الأسعار والعوامل التي تعد مسئولة عن زيادتها منذ بداية هذا العام.

فقد سجلت أسعار النفط خلال شهر يناير وفبراير مستوى يزيد على 30 دولارا للبرميل. ويزيد هذا السعر -كما هو معروف- عن الحد الأقصى داخل النطاق السعري لمنظمة الأوبك الذي يتراوح بين 22 و28 دولارا للبرميل. وبينما كانت تقضي آلية تسعير النفط بالمنظمة بزيادة حجم إنتاج المنظمة في حالة بقاء سعر سلة نفط الأوبك (وهي السلة المكونة من 7 خامات، بعضها خامات لدول خارج المنظمة) فوق مستوى 28 دولارا للبرميل لمدة عمل متتالية تبلغ 20 يوما؛ فإن هذا لم يحدث.

وكان تبرير دول الأوبك لقرارها هذا هو تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي المستمر منذ عامين وإلى الآن، وحيث إن برميل النفط يُحدد سعره في السوق الدولية بالعملة الأمريكية؛ فإن انخفاض سعر صرف الدولار قد عمل على خفض السعر الحقيقي لبرميل النفط. وحيث إن الانخفاض منذ نفس الفترة من العام الماضي في سعر صرف الدولار قد تجاوز 20%؛ فإن هذا يعني أن السعر الحقيقي في هذا الوقت لا يزيد على 24 دولارا للبرميل؛ وهو ما يعني أنه ما زال ضمن النطاق السعري لمنظمة الأوبك. إضافة إلى أن المنظمة -منذ اجتماعها في نهاية شهر ديسمبر 2003- كانت قد حددت العاشر من فبراير 2004 لعقد اجتماع طارئ لوزرائها في الجزائر، وذلك قبل عقد اجتماعهم نصف السنوي المعتاد في نهاية شهر مارس. والدافع الرئيسي وراء هذا الاجتماع الطارئ هو النظر في حال الأسواق وموازين العرض والطلب لترى المنظمة ما الذي يمكن أن تقرره بشأن مستوى إنتاجها في ضوء ذلك.

اجتماع الجزائر

وفي مفاجأة تامة اتفق وزراء نفط الأوبك عند اجتماعهم في فبراير بالجزائر على خفض سقف إنتاج المنظمة بمقدار مليون برميل يوميا بدءا من شهر إبريل؛ ليصل بذلك إلى 23.5 مليون برميل يوميا. وهي مفاجأة لأن أغلب الوزراء كانوا قد أكدوا قبل الاجتماع أن القرار -على الأغلب- سوف يكون لصالح تمديد العمل بسقف الإنتاج القديم حتى يتم انعقاد المؤتمر نصف السنوي العادي للمنظمة في نهاية شهر مارس القادم.

ويمكن القول بأن وزراء نفط المنظمة قد سارعوا لخفض الإنتاج وللتشديد على ضرورة عدم تجاوز الحصص الإنتاجية لكل دولة من الدول الأعضاء من أجل العمل على تحقيق فرص جيدة أمام الاستقرار في الأسعار خلال الربع الثاني من العام.

وبينما كان الانتظار حتى نهاية مارس يمكن أن يحقق النتيجة نفسها؛ فإن الوزراء ربما سارعوا لاتخاذ القرار بخفض الإنتاج؛ لأن الأسعار كان من المتوقع أن تنخفض خلال شهر مارس. هذا إضافة إلى تأكيد العديد من الجهات -ومن بينها مصادر مسئولة عراقية- أن العراق قد يحقق مستوى إنتاج يصل إلى 2.8 مليون برميل يوميا، ويكون بالتالي بإمكان العراق -ولو نظريا- أن يصدر ما يزيد على مليوني برميل يوميا. ومن هنا فإن وزراء الأوبك ربما يكونون قد قرروا عمليا إفساح المجال أمام المزيد من الصادرات العراقية؛ إذ إن العراق لا يزال حتى الآن خارج نطاق العمل بحصص الإنتاج التي تقررها المنظمة لكل الدول الأعضاء.

وباتت أغلب توقعات المراقبين أن منظمة الأوبك ستقدم عند انعقاد مؤتمرها نصف السنوي العادي في نهاية مارس على تأجيل قرارها الذي اتخذته في شهر فبراير بخفض الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميا، بدءا من أول إبريل الحالي، في ضوء استمرار ارتفاع الأسعار. ولكن على العكس من ذلك فإن المنظمة عند اجتماعها بفيينا في نهاية مارس اتخذت قرارا بالمضي في خطة خفض الإنتاج.

الطلب الصيني

وبينما يمكن إرجاع الارتفاع المستمر في الأسعار لطائفة واسعة من الأسباب يمكننا أن نركز على ما نراه رئيسيا منها.

ويمكن القول بأن أكثر العوامل أهمية هي الزيادة الكبيرة في الطلب العالمي وخاصة الصيني. إذ سجلت الصين معدلات نمو في الشهور القليلة الماضية -خاصة في النشاط الصناعي- تعد معدلات معجزة وغير مسبوقة بالمعايير العالمية؛ فقد سجلت معدلا للنمو الصناعي في شهر فبراير الماضي يبلغ نحو 23.2% مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، ثم عادت لتسجل في مارس معدلا للنمو الصناعي بلغ 19.4% مقارنة بنفس الشهر من عام 2003، وتكررت النسبة نفسها تقريبا في شهر إبريل. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا النمو الصناعي الكبير على المعدلات التي تسجلها الصين في صادراتها ووارداتها من بعض المواد، وعلى رأسها النفط.

ونتيجة لذلك رفعت مؤخرا وكالة الطاقة الدولية من تقديراتها للنمو في الطلب العالمي على النفط في العام الحالي. وقدرت الوكالة أن الصين زاد معدل استهلاكها اليومي على 6 ملايين برميل، تستورد منها أكثر من 3 ملايين برميل يوميا. وبهذه الأرقام صعدت الصين إلى مرتبة "ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم" بعد الولايات المتحدة، متخطية اليابان في هذا الصدد.

وإلى جانب زيادة مستويات الإنتاج الصناعي فإن تحسن مستويات المعيشة -الذي جعل من الصين ثاني أسرع الأسواق العالمية نموا في مجال الطلب على السيارات- يزيد دون شك حاجة الصين للنفط. وتؤكد بعض المصادر الدولية أن الارتفاع في مستوى الطلب الصيني على النفط بمقدار مليون برميل سيستمر خلال الأعوام القليلة القادمة. أضف إلى ذلك أيضا ارتفاع الطلب العالمي على النفط نتيجة للانتعاش الاقتصادي الذي بدأت علاماته الأولى في الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية والآسيوية.

السبب العراقي

السبب الثاني المهم هو تعقد موقف قوات الاحتلال الأمريكي في العراق مع افتضاح عمليات التعذيب التي تجري في السجون، ومواجهة هذه القوات لأقوى تحد لها داخل العراق، سواء في مدينة الفلوجة السنية أو التحدي الذي باتت تفرضه قوات جيش المهدي التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

فحالة عدم الاستقرار هذه تؤثر على إنتاج وتصدير النفط العراقي مع تعرض بعض التسهيلات النفطية العراقية للتدمير؛ مما يؤدي إلى إعاقة التصدير أو توقفه كليا في بعض الأيام. وقد خلق هذا الموقف حالة من المخاوف والشكوك في مدى استقرار عمليات شحن النفط بأمان من المنطقة، خاصة إذا ترافق مع ذلك عدة عمليات تفجيرية داخل المملكة السعودية (أكبر منتج ومصدر عالمي للنفط) استهدفت إحداها العاملين في واحدة من الشركات النفطية.

وفي وسط ذلك حدثت أزمة أخرى تتمثل في ارتفاع أسعار بعض المشتقات النفطية، لا سيما البنزين في السوق الأمريكية، ورغم أن دول منظمة الأوبك أكدت أن هذه الزيادة ترجع بشكل أساسي إلى أن قدرة المصافي الأمريكية لم تعد كافية للوفاء بحاجات الاستهلاك؛ حيث لم يتم بناء أي مصفاة جديدة منذ 25 عاما، علاوة على الحريق الذي شب في مصفاة كبيرة بولاية تكساس في شهر مارس؛ مما ضاعف بالتأكيد القصور في عرض المنتجات النفطية بالولايات المتحدة.

ورغم هذا التوضيح فإن المشكلة الحقيقية كانت في استغلال الأسعار المرتفعة للبنزين -من جانب السياسيين بالولايات المتحدة قبل موعد الانتخابات الرئاسية بنحو 6 أشهر فقط- ضد منظمة الأوبك؛ باعتبار أن المنظمة هي المسئول الأول عنها.

وينبغي أن يوضع في الاعتبار أيضا أن الارتفاع الحالي في الأسعار يأتي قبل دخول فصل الصيف؛ حيث يتزايد الطلب أكثر على البنزين مع بداية شهر يونيو، وبدء موسم العطلات السنوية داخل الولايات المتحدة؛ فإنه يعد الموسم الذي تستخدم فيه السيارات لمسافات طويلة لقضاء العطلات.

حمى المضاربة

وكان من شأن كافة العوامل السابقة أن تخلق حالة نفسية من الهلع بشأن الإمدادات النفطية ومستقبل أسعار النفط، وهي الظروف المثلى لزيادة حمى المضاربة على أي سلعة من السلع؛ فكان أن مال الاتجاه نحو المزيد من الارتفاع في الأسعار.

وبرغم تأكيد دوائر منظمة الأوبك فإن هناك فائضا في العرض يتجاوز 3 ملايين برميل يوميا؛ فقد بدا من الواضح أن منظمة الأوبك ذاتها قد انتابتها الحيرة إزاء التحركات الحالية في أسعار النفط. فقد بدأت الأسعار في الارتفاع على الرغم من أن من الثابت أن منظمة الأوبك لم تكن قد أقدمت بعدُ على تنفيذ خطتها الداعية إلى خفض حجم الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميا. كما أنه من الثابت أيضا أن الدول الأعضاء في المنظمة لم تقم خلال شهر فبراير الماضي بأي خفض يعتد به في التجاوزات المتعلقة بحصتها المحددة لها داخل سقف إنتاج المنظمة، وهو أمر منطقي في ظل الارتفاع الشديد غير المنتظر في الأسعار. بل واستمر هذا التجاوز في الحصص حتى إن وكالة الطاقة الدولية ذاتها أقرت بأن هناك زيادة في إنتاج الدول الأعضاء في الأوبك عن سقف الإنتاج الرسمي تتجاوز مليوني برميل يوميا خلال شهر إبريل الماضي.

وقد اقترحت المملكة العربية السعودية مؤخرا على لسان وزير نفطها رفع سقف إنتاج منظمة الأوبك بنحو 1.5 مليون برميل يوميا. وذلك أعقاب الارتفاع الكبير في أسعار النفط مع بداية شهر مايو الحالي؛ حيث بلغ سعر البرميل وقتها نحو 40 دولارا؛ وهو ما يعد أعلى سعر منذ نحو 14 عاما.

وقد حدث ذلك بالرغم من أن معظم دول الأوبك تنتج بالفعل ما يزيد على حصتها الإنتاجية. وحيث إن أغلب دول الأوبك (بل والدول المنتجة للنفط خارجها) تنتج الآن طاقتها الإنتاجية القصوى باستثناء بلدين أو ثلاثة؛ فقد كان رد فعل بقية بلدان الأوبك تجاه الاقتراح السعودي مختلطا؛ وهو ما قد يعني أنه تحول إلى نقطة خلافية، وإن كان استمرار ارتفاع الأسعار بعد ذلك إلى ما يتجاوز 41.5 دولارا للبرميل قد يساعد على قبول هذا الاقتراح.

وهناك نقطة أخرى قد تتحول لتكون محل خلاف داخل منظمة الأوبك؛ ألا وهي قضية النطاق السعري الذي تعمل في ظله المنظمة؛ إذ كانت المنظمة منذ أكثر من 3 أعوام قد قررت أن تتراوح أسعار برميل النفط من سلة المنظمة بين 22-28 دولارا للبرميل، وقد طالبت بعض البلدان بإعادة النظر في هذا النطاق؛ بحيث يتم رفع الأسعار بناء على تواصل ارتفاعها في السوق العالمية.

 

"التقسيط".. العدو الصديق!

القاهرة- نور المازني

 

إذا أسرف فيه الناس أصبح عدوا، أما إذا تعاملوا معه باعتدال أصبح صديقا لهم.. إنه "التقسيط" الذي يعد من الظواهر الاقتصادية الهامة في المجتمع المصري؛ خاصة مع تدني دخول الأفراد وارتفاع الأسعار، وفي الوقت نفسه ارتفاع الأسقف الاستهلاكية للناس والرغبة في اقتناء سلع لا يستطيعون أن يدفعوا ثمنها دفعة واحدة فيقسطونها على عدة أشهر ويستفيد البائع من الفارق بين الثمن الفوري والثمن المؤجل.

وحتى وقت قريب كان التقسيط يقتصر على شراء بعض السلع المعمرة، ولكننا نجد مؤخرا أنه انضم إلى هذه القائمة التعليم الخاص، والدروس الخصوصية وقروض الزواج والعقارات، بالإضافة إلى السلع التقليدية مثل الملابس والأحذية والأثاث وعمليات الصيانة بالمنازل، بل إن أداء فريضة الحج دخل نظام التقسيط.

وتؤكد الدراسات التي أجرتها الغرفة التجارية بالقاهرة والمراكز الاقتصادية خلال السنوات الثلاث الماضية أن أكثر من 50% من المجتمع المصري من ذوي الدخول المنخفضة أو المحدودة أجبرتهم ظاهرة ارتفاع الأسعار على التعامل بالتقسيط في كل شئون حياتهم. بل إن اللافت للنظر أن البيع بالتقسيط لم يعد مقصورا على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، بل أصبح شيئا عاديا ومتعارفا عليه بين أبناء الطبقة الغنية، ولكن نوعيات السلع هنا مختلفة بكل تأكيد.

فوائد.. فوائد

ولنظام التقسيط فوائد اقتصادية عديدة، يشرحها الدكتور محسن خضيرى الخبير الاقتصادي المصري بقوله: إن هذا النظام يعمل على زيادة فرص الاستهلاك وتوسيع مداه وتعميق أثره على الاقتصاد القومي، بحيث إن كل ما ينتج يباع بمعدلات سريعة، كما أنه يعمل على إيجاد نوع من الارتباط التعاقدي طويل المدى مع المستهلكين.

كما يعمل أيضا على إيجاد وسائل تنشيطية تمويلية لضخ وسائل دفع متنوعة تزيد من المعروض النقدي وتحقق الانتعاشة الدائمة والرواج المستمر وتغطية الآثار السلبية للدورة الاقتصادية، خاصة في أوقات الانكماش، والارتقاء بمستوى معيشة المواطن، ويحقق التوظيف الدائم لقوى الإنتاج بشرط أن تكون الأقساط مناسبة لدخل الفرد المصري (1300 دولار سنويا بأسعار صرف عام 2002 -وفقا لتقديرات دولية).

الركود والتقسيط

ولجأ التجار المصريون إلى البيع بنظام التقسيط منذ فترة الانفتاح في السبعينيات للاستفادة من الموجة الاستهلاكية التي نشأت جراء الانفتاح على الغرب، وتوسع هذا النظام بشكل كبير في عقدي الثمانينيات والتسعينيات.

وفي السنوات الأربع الماضية، وجد هؤلاء التجار في التقسيط فرصة هامة للتغلب على نقص المبيعات في السوق المصري، ومواجهة أزمة السيولة والركود. وكما يقول الدكتور محمد عبدالحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، فإنه لا سبيل أمام الناس لشراء احتياجاتهم أو أمام التجار لتصريف إنتاجهم سوى البيع بالتقسيط.

ونظرا لأهميته الاقتصادية، فقد أباح الإسلام البيع التقسيط بشروط. يقول الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي مصر:

إن جمهور الفقهاء أباح هذا النظام، وأباح أن يكون الثمن المؤجل أعلى من الثمن المدفوع فورا، وذلك لأن الثمن المدفوع فورا يمكن الانتفاع به في معاملات تجارية أخرى، أما الثمن المؤجل فإنه لا يتأتى فيه ذلك، وهذا النوع من المعاملات ليس داخلا في نطاق (الربا) المحرم، ومع ذلك فإنه يجب مراعاة أن تكون المعاملات التي من هذا النوع معاملات سليمة مبنية على الصدق والأخلاق، فلا يجوز أن تستغل حاجة المشتري للسلعة بأن يرفع البائع الثمن كما يريد مضاعفا الكسب أضعافا مضاعفة، فإن ذلك -فضلا عن كونه إثما من وجهة النظر الأخلاقية- لا يجوز شرعا، وإن التاجر الذي يراعي حق الله تعالى ويراعي واجبات الخلق الكريم ينعم بالبشرى التي أعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله "التاجر الصادق يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء"، والبيع بالتقسيط جائز في جميع السلع التي أحلها الله تعالى، لا فرق بين سلعة وأخرى. (لمزيد التفصيل انظر: فتاوى حول التقسيط).

تنظيم قانوني

ويحدد القانون المصري عددا من الضوابط لنظام البيع بالتقسيط، منها: أنه إذا لم يدفع المشتري أحد الأقساط المتفق عليها، فلا يجوز الحكم بفسخ البيع إذا تبين أنه قام بتنفيذ 75% من التزاماته. وأيضا إذا احتفظ البائع بملكية البيع حتى أداء أقساط الثمن كلها اكتسب المشتري هذه الملكية بأداء القسط الأخير، ويتحمل المشتري تبعة هلاك البيع من وقت تسليمه إليه، كما لا يجوز للمشتري التصرف في السلعة قبل أداء الأقساط جميعها إلا بإذن مكتوب من البائع. ويعاقب المشتري عند مخالفة هذه القوانين بالحبس مدة لا تتجاوز 6 أشهر وبغرامة 500 جنيه (الدولار= 6.20 جنيهات بالأسعار الرسمية) أو بإحدى هاتين العقوبتين.. وتأمر النيابة بوقف تنفيذ العقوبة إذا تم الصلح أثناء تنفيذها ولو بعد صدور الحكم باتا.

مشكلات.. مشكلات

غير أن هناك عدة مشكلات بدت في نظام التقسيط عند تطبيقه في المجتمع المصرى، أبـرزها -وفقا للدكتور محمد عبدالحليم عمر- أنه لا توجد معايير واضحة ومحددة للمبالغ التي يضيفها التاجر على السلعة التي يتم تقسيط ثمنها. كما أن توقف عدد كبير من البنوك عن تمويل وإقامة معارض السلع المعمرة وغيرها من السلع التي يحتاجها عدد كبير من المواطنين أدى إلى زيادة حالة الكساد والركود، والأسوأ من ذلك أن بعض المواطنين يشتري السلعة بالتقسيط ثم يقوم ببيعها بسعر يقل كثيرا عن قيمتها الحقيقية، وهي ظاهرة نطلق عليها "حرق السلع".

ويوضح مصطفى زكي -رئيس شعبة المستوردين باتحاد الغرف التجارية- نظام حرق الأسعار بقوله: إن البعض يستغل نظام التقسيط ليس بهدف اقتناء السلعة والانتفاع بها وإنما لإعادة بيعها مرة أخرى بيعا فوريا ونقدا أو ما نطلق عليه أسلوب الحرق.. فمثلا يشتري المواطن ثلاجة بالقسط فيدفع 100 جنيه مقدما على أن يدفع بعد ذلك 50 جنيها شهريا لمدة 20 شهرا، وبعد حصوله على الثلاجة يبيعها نقدا بمبلغ 700 جنيه فقط.

ولا تقتصر سلبيات التقسيط على ذلك، بل تمتد أيضا إلى تحصيل الأقساط نفسها. يقول محمد إسماعيل -رئيس شعبة الآلات والمستلزمات الطبية باتحاد الغرف التجارية بالقاهرة: إنه مع زيادة عمليات البيع بالتقسيط بشكل غير طبيعي -يفوق أحيانا كثيرة دخل المواطن- بدأت تظهر صعوبات التحصيل؛ وهو ما دفع التجار إلى أخذ ضمانات على المستهك مثل الكمبيالة أو الشيك. غير أن هذه الضمانات نفسها بدت بها ثغرات قانونية استغلها كثير من الناس خاصة في مسألة الشيكات.

الإسراف والغش

ويتفق معظم الخبراء على أن ثمة حالة من الإسراف في شراء السلع بالتقسيط في المجتمع أدت إلى اهتزاز ميزانية الأسر المصرية، خاصة أن البعض تحولت لديه هذه الظاهرة من تلبية احتياجاته الأساسية إلى شكل من أشكال المظهرية دون تقدير لدخله الحقيقي، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى تعمق القيم الاستهلاكية في المجتمع؛ حيث أضحى استهلاك معين يرتبط بالمكانة الاجتماعية للشخص نفسه.

الغش هو الآخر أصبح إحدى سلبيات نظام التقسيط. يشير الدكتور عبد المنعم عوض الله -الأستاذ بكلية تجارة جامعة القاهرة- إلى ضرورة تطبيق قوانين الغش التجاري في نظام البيع بالتقسيط، حتى لا يصبح وسيلة غير شرعية أو بابا خلفيا لترويج المنتجات الراكدة.

ويؤكد أن المحدد الرئيسي في البيع بهذا النظام يجب أن يكون هو الفرق ما بين الفائدة المحملة على القسط وفائدة الاقتراض من البنوك التجارية للقروض قصيرة الأجل، فإذا كانت هذه الفائدة قريبة من فائدة التقسيط فليس هناك ما يمنع تشجيعه، ولكن إذا كانت فائدة عالية فسوف يصبح القسط ضررا للتاجر؛ لأنه لن يتمكن من تصريف بضاعته.

ويطالب د. عبد المنعم بضرورة الإفصاح عن كل ما يرتبط بالسلعة كالفرق بين سعر بيعها الفوري أو بالتقسيط، ومميزاتها وخواصها التي تحدد مدى قدرة السلعة على البقاء والمنافسة في السوق.

البنوك بريئة

ورغم انتشار ظاهرة التقسيط فإن معظم البنوك المصرية فضلت الابتعاد عن هذا النظام إلا من خلال القروض التي تعطيها للمستهلك مباشرة وبضمانات محددة. يقول أحد مديري الائتمان ببنك ناصر الاجتماعي: لقد ظهرت عدة سلبيات مع تعميم نظام منح القروض للنقابات والهيئات، منها أن عددا من إدارات شئون العاملين والإدارات العليا أكدت أنها لا تعلم شيئا عن هذه القروض التي تأخذها الجهات النقابية التابعة لها، وبالتالي ظهرت مشاكل التعثر في السداد، كما أن بعض هذه الجهات كانت تعاني من عدم وجود سيولة للسداد لأنها كانت تقوم بخصم الأقساط من موظفيها ولا توردها للبنك، واكتشفنا أنه في حالات عديدة يتم حرق السلع وبيعها بالخسارة.

ويتابع مدير الائتمان قائلا: "بالتالي قرر البنك الاعتماد على الأسلوب الفردي.. بمعنى أن كل من يحتاج لسلعة معمرة.. نعطيها له ويخصم القسط المستحق من مرتبه مباشرة، ويحول إلى البنك بشرط وجود زميل ضامن له، وفي حالة الأعمال الخاصة يشترط وجود ضامن من جهة حكومية، وهكذا لم تعد هناك مشاكل في التحصيل أو الضمانات".

حل مشكلات التقسيط

ولحل هذه المشكلات، يقترح رئيس شعبة الآلات والمستلزمات الطبية باتحاد الغرف التجارية بالقاهرة، إنشاء هيئة اقتصادية مستقلة تكون لها فروع في مختلف محافظات الجمهورية على غرار هيئة البريد، تقوم هذه الهيئة بتحديد نسبة معينة من دخل الفرد -كل فرد على حسب دخله- بحيث لا تتجاوز الأقساط التي سيدفعها الفرد هذه النسبة شهريا، وتصدر هذه الهيئة كمبيالة تكون لها أحكام تضمن حقوق التاجر وتنظم العملية بأكملها، وبذلك يتم التحكم في عمليات البيع والشراء بالتقسيط بشكل علمي وبضوابط يصعب التحايل عليها.

بينما يشترط الدكتور محسن خضيري لضمان نجاح نظام البيع بالتقسيط وجود هيكل متكامل من المؤسسات لكل منها وظيفة متكاملة مع الأخرى، وأهم هذه المؤسسات هي مؤسسات منح بطاقات الائتمان والدفع والشراء بالسداد المؤجل، ومؤسسات تقوم بعمليات تصنيف وترتيب للمديونيات على الشركات المانحة للائتمان والبيع بالتقسيط، ومؤسسات الخصم وإعادته للأوراق المتداولة في هذه العمليات ذات الطبيعة الخاصة التي من خلالها نستطيع إيجاد الثقة وضخ وسائل دفع جديدة للشركات المختلفة.

وبشكل عام فإن التقسيط من الوسائل التي لا يمكن تجاهلها في أي اقتصاد، وهنا ينبغي أن ننادي بضرورة وجود وسيلة تحمي الائتمان الذي يمنحه البائع للمستهلك.

 

هضبة البحيرات.. ملعب "مياه" إسرائيلي

أحمد تهامي عبد الحي.

 

أثار عدد من نواب مجلس الشعب والمعلقين السياسيين في الآونة الأخيرة أزمة علاقات مصر مع عدد من دول حوض النيل، حيث بدأت بعض الدول الموقعة مع مصر -مثل كينيا وأوغندا- على اتفاقية منابع النيل في إعلان نيتها الانسحاب من الاتفاقية واستخدام المياه كما تريد. وقد كان حاضرًا في أذهان الجميع مخاطر التغلغل الإسرائيلي في دول حوض النيل، خصوصًا في أثيوبيا؛ وعلى الرغم من حقيقة هذه المخاطر فإنها لا تقتصر على أثيوبيا فقط، كما يعتقد الكثيرون، ولكنها تمتد لتشمل دول حوض النيل الأخرى التي شهدت علاقاتها مع إسرائيل تناميًا ملحوظًا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. ويعتقد الباحث أن هذه العلاقات أصبحت مساوية في نفس درجة الخطورة لنظيرتها مع أثيوبيا.

إستراتيجية الالتفاف

وتتعدد أهداف إسرائيل ومصالحها من وراء هذه العلاقات، حيث يمكن القول بأن السياسة الإسرائيلية تتبع إستراتيجية الالتفاف حول حوض النيل بأنشطة عسكرية وأمنية مكثفة، وتأسيس سياسة الذراع الطويلة الإسرائيلية في هذه المنطقة لمحاصرة مصر واحتواء دول حوض النيل.

فالسياسة الإسرائيلية تستهدف تهديد الأمن العربي والمصري بمحاولة زيادة نفوذ إسرائيل في الدول المتحكمة في مياه النيل من منابعه، مع التركيز على إقامة مشروعات زراعية تعتمد على سحب المياه من بحيرة فيكتوريا. وهي تعتمد في تحقيق ذلك على خلق المشاكل والتوترات بين الأقطار العربية والأفريقية، بما يشغل مصر عن القضية الفلسطينية. كما تستهدف السياسة الإسرائيلية الحصول على تسهيلات عسكرية في دول منابع النيل واستخدام القواعد الجوية والبحرية، مثل ما حدث من مساعدات لإسرائيل من قواعد أثيوبيا في عدوان 1967، واستخدام الدول الأفريقية كقاعدة للتجسس على الأقطار العربية، إضافة إلى تصريف منتجات الصناعة العسكرية الإسرائيلية، وخلق كوادر عسكرية أفريقية تدين لها بالولاء.

وإلى جانب هذه الأهداف، فإن إسرائيل تعنيها دائمًا قضية الحصول على المياه، وفكرة تحويل جزء من مياه النيل إلى صحراء النقب عبر سيناء. وهي فكرة قديمة، تقدم بها هرتزل عام 1903 إلى الحكومة البريطانية، وتكررت المحاولات الإسرائيلية الحثيثة منذ السبعينيات للحصول على نصيب من مياه النيل. وعلى الرغم من استمرار الرفض المصري الرسمي والشعبي فإن المشروع لم يتم إلغاؤه من الوجود، فهو بمثابة حلم لإسرائيل، ينتظر الفرصة المناسبة من أجل طرحه والإلحاح عليه في ظل مستجدات الظروف السياسية والاقتصادية في المنطقة.

ولذلك اتجهت السياسة الإسرائيلية لتركيز جهودها على دول حوض النيل الأخرى، خصوصًا دول المنابع، من أجل الالتفاف على الرفض المصري. وقد تكثفت الجهود الإسرائيلية من أجل اللعب بورقة المياه بعد فشل الخطط السابقة. ومنذ بداية تسعينيات القرن الماضي، والعديد من التقارير تشير إلى أن إسرائيل تساعد دول المنابع في بناء السدود على روافد النيل من أجل تصميم نظم جديدة للري تقلل من تدفق المياه لمصر. وفي ظل اشتداد حدة الأزمة الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل في منتصف التسعينيات أوصى تقرير قسم التخطيط بوزارة الخارجية الإسرائيلية بمعاقبة مصر إذا استمرت في تبني موقف سلبي تجاه إسرائيل، وذلك بإجراءات مختلفة، منها المطالبة بطرح موضوع النيل في المحادثات متعددة الأطراف التي تبحث موضوع المياه؛ وكانت إسرائيل قد استجابت لمطلب مصر بعدم اعتبار مياه النيل من بين مصادر المياه الإقليمية التي يتم بحثها في المفاوضات متعددة الأطراف.

وقد شهدت نهاية عقد التسعينيات تحركًا خطيرًا لتغيير القواعد القانونية الدولية المعمول بها في إطار توزيع مياه الأنهار، فدخلت مفاهيم جديدة كلية، مثل تسعير المياه، وإنشاء بنك وبورصة للمياه. وقد قام التحرك على أساس الأفكار الأمريكية وأفكار البنك الدولي. وتنظر النخبة السياسية المصرية إلى التحركات الأمريكية في منابع النيل بحذر شديد؛ لأنها ترتبط بدعم الأهداف الإسرائيلية؛ أما طروحات البنك الدولي فلا تجعله طرفًا محايدًا في أزمة المياه؛ لأنه يتبنى وجهات نظر بعض الأطراف، مثل إسرائيل وتركيا وأثيوبيا، ويهمل وجهة نظر الأطراف العربية.

ويلبي هذا الطرح احتياجات كل من تركيا وأثيوبيا وإسرائيل على حساب الحقوق التاريخية المكتسبة للدول العربية في أحواض النيل ودجلة والفرات؛ بحيث يكون الحل الوحيد أمام الدول العربية -لتجنب الحروب حول المياه- هو اضطرارها لقبول نقل خزين مياهها لإسرائيل، وإلا تعرضت هي نفسها لانتقاص حقوقها المائية؛ ويكون مقتضى هذه الصفقات دخول إسرائيل فاعلاً أصيلاً في مشروعات تنمية موارد الأنهار الكبرى في المنطقة من خلال تحالفها المائي مع دول المنابع التي ستلتزم في هذه الحالة بالربط بين نقل المياه لإسرائيل، وبين التعاون مع دول الممرات والمصبات.

"البحيرات".. نقطة التترس الإسرائيلي

تتحرك إسرائيل في منابع النيل في هضبة البحيرات (التي تمثل 15% من إيرادات النيل) عبر مجموعة من الخطوط المتكاملة، وتعتمد السياسة الإسرائيلية على استخدام وتوظيف مجموعة متكاملة من الآليات وأساليب الحركة السياسية في المنطقة، تشمل:

1 - الاعتماد على الدور الأمريكي:

إن هناك سعيًا أمريكيًّا حثيثًا لتأسيس مناطق نفوذ في دول منابع النيل ووسط أفريقيا، سواء في إطار السيطرة على وسط القارة، أو الإمساك بأوراق ضغط رئيسية في مشكلات المياه المتوقع تفجرها في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك سياسة أمريكية برزت في التسعينيات تقوم على مواجهة الحركات الإسلامية في أفريقيا، واحتواء السودان والنفوذ الإيراني.

ويلاحظ على السياسة الأمريكية أنها تعطي أولوية قصوى لدول منابع النيل؛ فمجموعة القادة الجدد الذين ترعاهم السياسة الأمريكية والإسرائيلية هم زعماء دول حوض النيل أساسًا، وهم زعماء أوغندا ورواندا وأثيوبيا وإريتريا والكونغو الديمقراطية وكينيا وتنزانيا والجيش الشعبي لتحرير السودان.

وقامت إسرائيل بدور رئيسي في التنافس الأمريكي - الفرنسي في وسط القارة الأفريقية. فبالرغم من العلاقات الإسرائيلية - الفرنسية الجيدة، فإن إسرائيل اندفعت في مناورات سرية مع أثيوبيا وإريتريا وأوغندا والتوتسي، متجاوزة فرنسا لصالح واشنطن. وقد أظهرت السنوات الماضية حجم العلاقات والنفوذ الواسع الذي يتمتع به جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" في المنطقة إثر انكشاف صفقات السلاح، وعمليات ترحيل اليهود الأثيوبيين الفلاشا إلى إسرائيل. وقد أثار التدخل الإسرائيلي حفيظة فرنسا، فلجأت الاستخبارات الفرنسية إلى نشر تفاصيل النشاط الصهيوني في منطقة البحيرات في الصحف الفرنسية.

2 - توظيف التناقضات العربية - الأفريقية:

استغلت إسرائيل الصراع الصومالي - الأثيوبي، والسوداني - الأثيوبي، والسوداني - الإريتري، والمصري - الأثيوبي، من أجل تحقيق أهدافها؛ وهي تقوم بالتحريض الدائم والمستمر ضد العرب؛ لإشعار دول حوض النيل بما يدعم أنه ظلم ناتج عن الإسراف العربي في موارد المياه؛ ثم تقوم بتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي لتلك الدول.

وتلعب إسرائيل على توتير العلاقة العربية الأفريقية بالحديث عن دور العرب في موضوع الرق واستنزاف المياه. وعلى سبيل المثال، ففي أعقاب ارتفاع أسعار النفط، اقترح جوزيف نيريري (أخو الرئيس التنزاني) في اجتماع المجلس التشريعي في يونيو 1974 أن يتم عقد صفقة مع العرب، يباع فيها جالون المياه مقابل جالون النفط، ما دام النهر ينبع من شرق أفريقيا.

وفي عام 1996 انتقدت أوغندا استهلاك مصر والسودان لأكثر من حاجتهما للمياه، مؤكدة حقها في استعمال موارد المياه، وقامت بإنشاء سدود في حوض بحيرة فكتوريا لتوليد الطاقة الكهربائية. كما حذرت صحيفة "إيست أفريكان ستاندارد" الكينية من استمرار الخلافات بين كينيا ومصر بسبب قضايا التجارة، ومعاهدة حوض النيل التي هددت كينيا بالانسحاب منها.

3 - التعاون المائي والزراعي:

نجحت إسرائيل -بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية- في تأمين سيطرتها على بعض مشاريع الري في منطقة البحيرات، حيث تقوم بتقديم الدعم الفني والتكنولوجي من خلال الأنشطة الهندسية للشركات الإسرائيلية في مجال بناء السدود المائية. وقدمت إسرائيل دراسات تفصيلية إلى زائير ورواندا لبناء ثلاثة سدود، كجزء من برنامج شامل لإحكام السيطرة على مياه البحيرات العظمى. وقام خبراء إسرائيليون باختبارات للتربة في رواندا، حيث يتوجه الاهتمام الإسرائيلي بوجه خاص إلى نهر كاجيرا الذي يمثل حدود رواندا مع بوروندي في الشمال الشرقي.

وقد وقعت أوغندا وإسرائيل اتفاقًا في مارس 2000 -أثناء زيارة وفد من وزارة الزراعة الإسرائيلية، برئاسة مدير الري بالوزارة "موشي دون غولين"- ينص على تنفيذ مشاريع ري في عشر مقاطعات متضررة من الجفاف، وإيفاد بعثة أوغندية إلى إسرائيل لاستكمال دراسة المشاريع التي يقع معظمها في مقاطعات شمال أوغندا بالقرب من الحدود الأوغندية المشتركة مع السودان وكينيا، وسيجري استخدام المياه المتدفقة من بحيرة فكتوريا لإقامة هذه المشاريع، وهو ما يؤدي إلى نقص المياه الواردة إلى النيل الأبيض.

وذكرت نشرة "ذي إنديان أوشن نيوز لاتر" الفرنسية -في فبراير من نفس العام- أن إسرائيل أعلنت أنها مهتمة بإقامة مشاريع للري في مقاطعة كاراموجا الأوغندية قرب السودان، حيث يمكن ري أكثر من 247 ألف هكتار من الأراضي الأوغندية عبر استغلال اثنين ونصف مليار متر مكعب سنويا، في حين أن المياه المستخدمة حاليًا لا تزيد عن 207 ملايين متر مكعب فقط تروي 32 ألف هكتار من الأرض.

ولا تقتصر خطورة التواجد الإسرائيلي في دول أعالي النيل على الاستعانة بالخبراء والتعاون الفني في المشروعات، ولكنها تمتد إلى التعاون الاقتصادي الزراعي برأسمال يهودي، يهدف إلى تملك أراضي في المنطقة بدعوى إقامة مشاريع عليها، أو تحسين أراضيها، أو إقامة سدود بها.

4 - العلاقات التجارية:

تُعَدّ العلاقات التجارية من أبرز المؤشرات على تنامي المصالح الإسرائيلية الاقتصادية في أفريقيا، حيث تشهد هذه العلاقات تطورات مستمرة وقفزات سريعة. وهناك مجموعة أساسية من الدول الأفريقية تمثل أبرز شركاء إسرائيل، وهي: جنوب أفريقيا وأثيوبيا وكينيا ونيجيريا.

ويلاحظ تزايد أهمية عدد من دول حوض النيل في التجارة الخارجية الإسرائيلية. ففيما يخص أثيوبيا، فقد تضاعفت الواردات الإسرائيلية منها أكثر من ثلاثين مرة خلال عقد التسعينيات، من 0.4 إلى 13.9 مليون دولار سنويًّا، بينما تضاعفت الصادرات الإسرائيلية لها ثلاث مرات فقط من 1.9 - 5.8 ملايين دولار سنويًّا.

أما الواردات الإسرائيلية من كينيا فقد تضاعفت مرتين ونصف المرة، من 8.6 إلى 20.9 مليون دولار سنويًّا، بينما تضاعفت الصادرات الإسرائيلية مرتين تقريبًا من 14 مليون دولار إلى 29.3 مليون دولار.

أما فيما يخص الكونغو، فقد وصلت الواردات الإسرائيلية منها إلى مليون دولار تقريبًا بعد أن كانت لا شيء تقريبًا، أما الصادرات الإسرائيلية فتضاعفت عشر مرات تقريبًا، من 0.9 إلى 5.2 ملايين دولار سنويًّا.

ويُعَدّ مركز التعاون الدولي في وزارة الخارجية "الموشاف" -الذي يرأسه نائب وزير الخارجية- الجهاز المسئول عن تصميم وتنفيذ سياسات التعاون مع الدول الأفريقية. وكان "الموشاف" من وسائل الاتصال الأساسية مع كبار المسئولين في الدول الأفريقية، على الرغم من قطع العلاقات الدبلوماسية، كما حدث مع كينيا وزامبيا وتنزانيا وأثيوبيا، حيث كانت العلاقات الاقتصادية والفنية أكثر قوة من العلاقات السياسية.

وأبرز الأنشطة التي يعمل فيها "الموشاف" إقامة المزارع وتأسيس غرفة للتجارة الأفريقية الإسرائيلية، وتقديم الدعم في مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية، من خلال التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية والسفارات الأجنبية، وبصفة خاصة هيئة المعونة الأمريكية USAID التي نشطت على ضوء مبادرة كلينتون للشراكة مع أفريقيا.

ويتركز نشاط "الموشاف" على فئات معينة مثل القادة والنساء والخبراء والشباب الذين سيصحبون صناع السياسة مستقبلاً. ويتجه "الموشاف" للتركيز على التجمعات الإسلامية والعربية التي تعارض تطبيع العلاقات مع إسرائيل؛ للحصول على تأييدها في دول مثل كينيا، من خلال تقديم منح لتدريب أبناء الطوائف الإسلامية، وفتح مجالات للاتصال بقادتهم.

5 - توظيف الصراعات العرقية:

وذلك من خلال صنع شبكة علاقات وتحالفات وثيقة مع بعض الأطراف على حساب الأخرى؛ ومن أهم القوى التي تدعمها إسرائيل قبائل التوتسي الحاكمة في رواندا والنظام الأوغندي. وتقوم المخابرات الإسرائيلية بتغذية الصراعات بين التوتسي والهوتو، وتقوم بتصدير السلاح إلى طرفي الصراع معًا؛ فمن المعروف أن الإسرائيليين كانوا يسلحون في آن واحد كلاًّ من الهوتو المنكفئين في كيفو، والتوتسي المتمركزين في كيجالي، والقوات المسلحة الزائيرية.

والدور الإسرائيلي في استغلال الصراعات العرقية في المنطقة قديم؛ فإسرائيل دعمت الحركة الانفصالية في جنوب السودان منذ انطلاقها، ثم دربت كوادر الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا عندما لاحت بوادر انتصارها، وقامت بتدعيم أنظمة حاكمة مثل الباجندا في أوغندا، ونظام الأمهرا في أثيوبيا، وعملت على إقامة علاقات حديثة مع قبائل "الكامبا" و"الكيلوي" في إطار مزاولة الاستثمار الإسرائيلي في ممباسا ونيروبي.

وثمة مخاوف في منطقة وسط أفريقيا من النزعة القومية لدى قبائل التوتسي التي تتوزع في بوروندي وجنوب أوغندا (الرئيس الأوغندي موسيفيني ينتمي أصلاً إلى التوتسي) وشرق زائير ورواندا والتي تسعى للسيطرة الكاملة على المنطقة عبر الدعم الأمريكي - الإسرائيلي، بما يعنى إقامة دولة التوتسي الكبرى، وإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية والدولية في وسط أفريقيا.

وقد امتد دعم قوات لوران كابيلا -التي يشكل التوتسي عمودها الفقري- للوصول إلى السلطة في زائير، من إريتريا وأثيوبيا في القرن الأفريقي إلى أوغندا ورواندا في وسط أفريقيا؛ وفي حين قدمت أوغندا دعمها السياسي والعسكري، قدمت رواندا دعمها البشري والعسكري، مما كان له أبلغ الأثر في انتصار كابيلا، وهزيمة قوات موبوتو.

6 - التدخل عبر المساعدات الإنسانية:

استغلت ظروف الحروب الأهلية -خصوصًا في الصومال- وتحركت تحت غطاء إنساني، فأقامت مراكز عدة في العاصمة مقديشو لأول مرة، وفي بعض الأقاليم الأخرى لتقديم المساعدات إلى الصوماليين والتي يتولاها صندوق إغاثة الصومال، وهو صندوق تدعمه وزارة الخارجية الأمريكية والمنظمة الصهيونية العالمية والمؤتمر اليهودي، ومنظمة "بني بريث"، ومنظمة "جونيت" اليهودية، وعدة منظمات وجمعيات صهيونية أخرى في الولايات المتحدة. وقد تم تأهيل هذه المراكز بخبراء إسرائيليين وصلوا إلى الصومال في أواخر عام 1992، وبلغ عددهم 250 شخصًا.

وحاولت إسرائيل نسج علاقات مع قادة الفصائل الصومالية، ولوّحت بمساعدات عسكرية واقتصادية وصحية مباشرة، وذلك من خلال مشاركتها في المؤتمر الدولي الثاني لتنسيق المساعدات الإنسانية للصومال في أديس أبابا في كانون الأول/ ديسمبر 1992. وفي أعقاب تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في أغسطس 1998 أرسلت إسرائيل فرقًا للبحث والإنقاذ، ومساعدات طبية وإنسانية إلى كينيا وتنزانيا.

7 - النشاط العسكري مع دول المنطقة:

فتح التعاون العسكري الباب أمام إسرائيل في دول منابع النيل، في ظل حاجة الدول الأفريقية لمصادر السلاح من أجل توفير الأمن والحماية من الانقلابات العسكرية التي يدبرها أعداء الداخل أو أعداء الخارج. وتقوم أجهزة المخابرات الإسرائيلية بتزويد الدول الأفريقية بالخدمات الاستخباراتية من مصادرها الخاصة، أو بالاعتماد على مصادر الموساد في المخابرات الأمريكية.

ويلعب المدخل العسكري والأمني دورًا أساسيًّا في تطوير العلاقات؛ نظرًا لحاجة القادة الأفارقة إلى المساعدات العسكرية؛ وقد لجأ بعض القادة الماركسيين المتشددين المتحالفين مع الاتحاد السوفيتي، مثل منجستو، إلى إسرائيل من أجل المساعدات العسكرية.

وتُعَدّ الصادرات العسكرية الإسرائيلية من الأدوات الأساسية في تنفيذ السياسة الخارجية؛ فهي ترتبط برؤية إستراتيجية وأمنية إسرائيلية تهدف إلى التغلغل في دول منابع النيل؛ وذلك إلى جانب أهميتها الاقتصادية، حيث تُعَدّ الصادرات العسكرية من أبرز القوى الدافعة للاقتصاد الإسرائيلي. ويؤكد شلومو جازيت (رئيس الاستخبارات العسكرية السابق) أن إسرائيل تعاونت في مجال التسلح مع عدد كبير من الدول الأفريقية، منها أثيوبيا وزائير وكينيا وليبيريا وجنوب أفريقيا والكاميرون.

وهكذا يتراوح النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة بين تصدير الأسلحة وإقامة قواعد عسكرية. وقد حصلت أثيوبيا على أسلحة إسرائيلية مقابل تهجير يهود الفلاشا، كما تحصل الدول والقبائل في منطقة البحيرات العظمى على أسلحة إسرائيلية متنوعة.

وقد ذكرت تقارير المخابرات الفرنسية أن إسرائيل سلحت جيشي رواندا وبوروندي بالأسلحة القديمة، بدون مقابل؛ لكسب ود السلطات الحاكمة والتغلغل في منطقة البحيرات العظمى.

هذا ما فعلته إسرائيل -وما زالت تفعله- لإسالة لعاب دول أعالي النيل، أو دول المنبع.. فماذا فعلت الدول العربية لإسالة لعاب تلك الدول؟ وماذا فعلت لكي تمنع "اللعب" الإسرائيلي في منطقة تُعَدّ من أكثر المناطق تأثيرًا وخطورة على الأمن المائي لدولة المحور في العالم العربي والإسلامي على حد سواء؟.

الغرب والعالم الإسلامي

 

عرض/ إبراهيم غرايبة.

هذا الكتاب تقرير عن برنامج لوزارة الخارجية الألمانية المسمى "الحوار الثقافي الأوروبي-الإسلامي" شارك فيه ستة من المؤلفين المسلمين بدعوة من معهد الحوار والتفاهم، ويناقش العلاقات الغربية-الإسلامية ويحللها تحليلا نقديا لن يوافق العرب على جميع ما فيه.

وهؤلاء المؤلفون هم: سلوى بكر (مصر)، وباسم الزبيدي (فلسطين) وداتو محمد جوهر (ماليزيا) وفكرت كارتتشتش (البوسنة والهرسك) وحنان كساب (سوريا) ومظهر زيدي (باكستان).

-اسم الكتاب: الغرب والعالم الإسلامي
-
المؤلف: مجموعة من الباحثين
-
الطبعة: الأولى 2004
-
عدد الصفحات: 258
-
الناشر:ألمانيا/ شتوتغارت، معهد الحوار والتفاهم

 

ويتطرق التقرير إلى الجذور التاريخية للمواجهة بين الغرب والعالم الإسلامي، ويعرف القوالب النمطية والتحيزات، ثم يمتد ليعالج أسباب ضربات 11 سبتمبر/أيلول 2001 والحرب على العراق وأفغانستان وتبعاتها. ويصوغ مؤلفو الكتاب -الذي صدر باللغات العربية والإنجليزية والألمانية- توصيات ومنطلقات حول المستقبل المشترك.

السياق الحقيقي للعلاقة

تبدي الندوات والمؤتمرات والبحوث المختلفة في موضوع العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي مدخلات كثيرة ومختلفة في تفسير هذه العلاقة، مثل العداء بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والتناقضات الأساسية والثقافية "صدام الحضارات"، وهو تفسير يضع العالم الإسلامي والغرب قطبين متعارضين ومتناقضين على الدوام، ويتجاهل التغاير الداخلي في الجانبين، ويهمل الحقيقة الثابتة الأساسية التي تقول إن الثقافات والمجتمعات ليست كيانات ثابتة ودائمة ولكنها في حالة تغير دائم، كما يتجاهل الخلط والمزج الذي يجري بين الثقافات.

فالغرب لم يعد عالما مقتصرا على الأوروبيين والتراث المسيحي، فيوجد في الغرب اليوم عشرات الملايين من المسلمين الذين يحملون جنسيات دول الغرب واستوعبوا نمط الحياة الغربية، وكان لهم أيضا تأثيرهم على المجتمعات الغربية، فقد أصبحت تقاليدهم وفنونهم وأطعمتهم من العناصر الثقافية في الحياة اليومية الأوروبية.

وكان العامل الإسلامي مهما في حفظ واستيعاب التراث اليوناني الفلسفي والحضاري بالإضافة إلى علومهم وحضارتهم التي أبدعوها، وكانت مدخلا أساسيا في النهضة الأوروبية المعاصرة.

وفي المقابل أيضا لم يعد ثمة مجتمع إسلامي يخلو من المؤثرات الغربية، وقد أدت وسائل الاتصال الحديثة إلى دخول التأثير الغربي إلى المجتمعات الإسلامية حتى المحافظة منها، والعالم الإسلامي نفسه ليس عالما واحدا ولكنه يموج بالتناقضات والاختلافات.

وتنطوي النظرة الغربية للعالم الإسلام على تعميم غير منصف، وتحوله وسائل الإعلام إلى تصورات نمطية وتحيزات ضارة، وهو الأمر الذي يؤجج المشاعر العنصرية والعدائية نحو كل من ينتمون إلى العالم الإسلامي دون تمييز بين من يعتمدون أسلوب العنف وبين من يعانون من عواقبه على المستوى المحلي.

وليس ثمة تعريف واضح للعالم الإسلامي، والدعوات الرامية إلى توحيده لا تتجاوز تجمع البلدان الإسلامية في منظمة "المؤتمر الإسلامي"، ولا يمكن القول بوجود قوة متراصة تسمى العالم الإسلامي يمكن اعتبارها خطرا يتهدد الغرب الذي يمتلك قوة أكبر بكثير.

والموقف السياسي والاقتصادي في العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي أكثر تعقيدا من الصدام والمواجهة التي تغرق وسائل الإعلام، فالعلاقات التجارية المكثفة بين بلدان العالم الإسلامي وأوروبا والولايات المتحدة كبيرة جدا، حتى في بلدان محافظة وتؤسس مشروعيتها على الدين مثل السعودية.

والعداء الظاهر بين الغرب والبلدان الإسلامية لا يرد إلى الدين، فرفض عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي يعود إلى مشكلات الهجرة المتوقعة من تركيا إلى أوروبا، والتدخل الأميركي في البلقان لصالح المسلمين ضد الصرب يعود إلى أسباب جغرافية سياسية، واحتلال العراق ذي النظام السياسي العلماني مرتبط بالنفط.

فالعلاقة بين العالم الإسلامي والغرب ترتبط ارتباطا جوهريا بالقضايا السياسية الدالة، وهي: القضية الفلسطينية والمواقف التي يتخذها الغرب تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، والقضية العراقية واحتلال العراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية، والسيناريوهات الخطرة المحتملة التي يناقشها علانية المسؤولون في الولايات المتحدة وتدعو إلى إحداث تغييرات جذرية في المنطقة، وتهديد سوريا وإيران.

ويبدو ثمة اختلاف في المعسكر الغربي بين أوروبا والولايات المتحدة في موضوع العلاقة مع العالم الإسلامي، وقد لوحظ ذلك بوضوح في الغزو الأميركي للعراق، فقد عارض هذه الحرب بقوة كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا، كما أن الدول الأوروبية نفسها كانت منقسمة حول الحرب، وهو ما وصفه الأمريكان "بأوروبا القديمة وأوروبا الجديدة".

ميراث الماضي.. تراث المواجهة

يكشف تاريخ العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي عن مواجهة عسكرية، وعن تبادل سلمي وثقافي للفوائد المشتركة، ولكن يبدو أن الوعي التاريخي للعلاقة تشكل عبر فترات المواجهة، فبالنسبة للمسلمين يصعب محو الذكريات التاريخية التي خلفها الصليبيون، فقد أصبح "الصليبية" مصطلحا مشحونا بالغزو والمذابح والهيمنة والتعصب الديني.

وكان للاستخدام غير الموفق لمصطلح "الحملة الصليبية" من قبل الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش للدلالة على الحملة على ما يعتبره إرهابا أثر يعيد المعاني والذكريات نفسها للحروب الصليبية سيئة الذكر بالنسبة للمسلمين.

وفي المقابل فإن المسلمين كانوا يمثلون العدو منذ معركة بواتييه عام 732م على حدود فرنسا وحتى هزيمة العثمانيين الأتراك عام 1683 في فيينا وشكلوا تهديدا كبيرا (الخطر الأخضر). وكانت الفترة التي أعقبت سقوط القسطنطينية عام 1453 بيد الأتراك العثمانيين فترة شعور بالتهديد والاجتياح من قبل تركيا، حتى أصبحت كلمة تركي مصطلحا يطلق على المسلمين يستحضر الكفار والقسوة.

ويمكن لدعاة الحوار أن يجدوا في التاريخ أمثلة للتبادل الثقافي والتعاون بين العالمين، فعلى سبيل المثال نظر المسلمون الأوائل إلى التراث اليوناني والروماني بانفتاح وإعجاب، واستخدموا وطوروا كثيرا من الخصائص التي شكلت أساس الحضارة الغربية في مختلف مجالات الفلسفة والأخلاق والعلم، وكان اسم "المعلم الثاني" الذي أطلق على الفارابي نتيجة اعتبار أن أرسطو هو المعلم الأول، وكان الطلاب الأوروبيون الذين درسوا في الجامعات الإسلامية بإسبانيا في العصور الوسطى يمثلون حالة شبيهة بالطلاب الذين يهاجرون اليوم إلى أوروبا للدراسة في جامعاتها.

تصورات نمطية حول الغرب وصور مشوهة عن الإسلام

كان الاستشراق بمثابة المورد الفكري الرئيسي لإنتاج وتناول الصور المشوهة عن الإسلام، وتستخدم هياكل القوة في البلدان الغربية هذه الصورة بوصفها أداة لتبرير الهيمنة على العالم الإسلامي.

وهناك أيضا مقاربات غربية منهجية متوازنة لدراسة الإسلام، مثل ترجمات بعض النصوص الإسلامية، والحفاظ على المخطوطات الإسلامية، وإنتاج أدوات مرجعية بلغات أوروبية تحظى بتقدير كثير من العلماء المسلمين.

وتخضع الرؤية الإسلامية للغرب لتحيز نمطي مرتبط في الذاكرة الجماعية بكل التداعيات السلبية الممكن حصولها لحالة الهيمنة والاحتلال التي مارسها الغرب بحق العالم الإسلامي، وظهرت في الوعي العربي الجماعي النظريات التآمرية، وعدم الثقة بالغربي.

وقد اتخذ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي رغم أصوله العلمانية القائمة على الاحتلال العسكري شكلا دينيا مع بداية المقاومة الإسلامية الشيعية في جنوب لبنان وحركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي. وفي تلك الفترة استيقظت مشاعر الشك مرة أخرى، وبدأت تحتوي التصورات الإسلامية النمطية عن الغرب عناصر دينية، وبدأت تسمية "اليهود" بالظهور، مشيرة إلى الانجراف الذي حدث تجاه إضفاء عنصر ديني على الصراع محولا إياه من سياسي إلى ديني وثقافي.

وتنامى العداء تجاه الولايات المتحدة وتحول إلى عداء صريح بعد حرب الخليج الثانية ثم تداعياتها التي وصلت إلى احتلال العراق. وفي الوقت نفسه فقد ساهم الموقف الأوروبي من الحرب الأميركية على العراق في تحول إيجابي في صورة الغرب الأوروبي، وبدأ كثير من المسلمين يدركون أن الغرب ليس كيانا متجانسا موحدا، ولكن الغرب يموج بصراعات في الرأي حول القضايا السياسية الرئيسية، وهو أمر يوفر مساحة لمزيد من التصور المتوازن والمتغاير والتحليلي، ومع ذلك لا يمكننا التنبؤ كم سيستغرق الأمر لإعادة بناء جسور التسامح والحوار بين الحضارات إذا أصرت الولايات المتحدة وحلفاؤها على الاستمرار في سياساتهم.

الحكم والتنمية في العالم الإسلامي

لقد أدى سوء الحكم وتعثر التنمية في كثير من دول العالم الإسلامي إلى تعقيد العلاقات مع الغرب، فقد نشأ خلل كبير في توازنات القوى، مما سهل على الغرب الأقوى -وبخاصة الولايات المتحدة- التلاعب والهيمنة والمعاملة فاضحة الظلم للعالم الإسلامي الأضعف، كما أن الفجوة التنموية الهائلة تغذي أيضا مشاعر التحامل والازدراء والضغوط والصراعات التي تفسد العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب.

وقد أدى الضعف وعدم التمكين النابعان من سوء الحكم وسوء التنمية إلى اعتماد كثير من البلدان الإسلامية على المساعدة الاقتصادية الغربية، وفي بعض الحالات على العون العسكري والحماية من جانب الغرب، وهو الأمر الذي يضع تلك البلدان تحت تأثير الإغراءات والضغوط التي تجعلها تتصرف بما يتفق مع مصالح الغرب، وبذلك تساوم تلك البلدان على استقلالها وسيادتها، وتضحي ببعض مصالحها الحيوية فضلا عن مصالح الشعوب الإسلامية الأخرى، كما يؤدي ذلك إلى الانقسام والنزاع وإيقاع الفوضى بين بلدان العالم الإسلامي مع تحريض تلك الدول التي أصبحت تابعة للولايات المتحدة ضد البلدان التي نجحت في استعادة نوع من الإرادة المستقلة.

لقد بدأت مصر تحصل بعد توقيع معاهدة كامب ديفد على 2.3 مليار دولار سنويا، وبدأت باكستان تحصل على 1.3 مليار دولار بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وبدأت أوزبكستان تحصل على مساعدات أميركية بعد سماحها لقوات الولايات المتحدة وطائراتها بأن تتخذ من أراضيها قاعدة لها قرب حدود أفغانستان، ويتمتع الأردن بمعونة عسكرية تصل نحو 200 مليون دولار.

إن سوء الحكم وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان والحكم غير الديمقراطي في كثير من البلدان الإسلامية يعطي صورة سلبية إلى حد كبير عن هذه الدول، ويدعو إلى النقد الغربي المحق وأحيانا الاستهجان الذي يجعل العلاقات عرضة للصراع، كما أن التوترات بين الحكام والشعوب في مثل هذه الظروف تؤدي أيضا إلى إضعاف الدولة وقدراتها على مواجهة الضغوط الغربية، وتصبح الدول الإسلامية الفاشلة في أسوأ حالاتها السياسية والاقتصادية مثل أفغانستان وأهدافا سهلة للعدوان العسكري، ففي العراق يتم إحياء الفظائع التي ارتكبها سابقا نظام صدام حسين ضد السكان، وذلك بهدف تبرير العدوان عليه.

ورغم عدم صحة اقتران الإسلام والمسلمين بسوء الحكم والتخلف، فالحكم السيئ موجود في كثير من البلدان بغض النظر عن تكوينها الديني فإن هذا الاقتران يضعف من صورة الدين ومنزلته فضلا عن أتباعه، وبالتالي العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب.

إن تفاوت وضع هذه العلاقات وطبيعتها علاوة على الذكريات المتبقية من القمع الذي مارسه الاستعمار في السابق، والتبعية المهينة مع العجز الراهن قد أدى إلى تغذية شعور الشعوب الإسلامية بالاستياء وشعورها بالعداء تجاه الغرب. ومن الناحية الأخرى تغذي هذه العوامل نفسها شعورا بالتفوق يصل أحيانا إلى حد الازدراء والغطرسة في بعض دول الغرب.

إن سوء الحكم والتخلف مشكلتان مركبتان جذورهما عميقة، وتتطلبان بذل جهود جبارة على أسس مستدامة للتوصل إلى حلهما، ويمثل كل بلد حالة قائمة بذاتها لديها مزيجها الخاص من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، والذي يحتاج إلى المعالجة باستخدام مجموعة من المقاييس الخاصة به. ونرى البلدان الفقيرة ذات الموارد الطبيعية والشحيحة ورأس المال البشري المحدود، والتي تحتاج إلى التحرير أكثر من غيرها، أقل قدرة على التخلص من مأزقها بنفسها، فالعمل على المستوى الوطني فقط قد يكون عديم الفائدة بدرجة كبيرة، وتمثل المساعدة الإقليمية ضرورة ملحة.

المصدر :الجزير

 

قمة الأسئلة الصعبة.. لا إجابات

بقلم/ أيمن الصياد.

في اليوم ذاته الذي هاجمت فيه القوات الإسرائيلية مسيرة سلمية في رفح، قصفت المروحيات الأميركية حفل زفاف جنوبي العراق. ووسط أصداء القصف تلتئم قمة العرب -أو بعضها إن شئنا الدقة- في تونس "البعيدة"، والتي تحرص أن تكون كذلك.

جاء القصف عشية القمة "المتلكئة" ليجعل السؤال عن الظروف التي تنعقد فيها نظريًا بعد أن تلبدت سماؤها -واقعيًا- برائحة البارود، وتلطخت أوراقها فعليا بالدماء. كأنما لا مهرب من الحقيقة، ولا مفر من الأسئلة الصعبة والاستحقاقات.

هربت قمة مارس من أن تنعقد عشية اغتيال الشيخ المقعد، فيصبح المأمول أكثر من المستطاع، فها هي تنعقد -ولا إمكانية لتأجيل هذه المرة- عشية تفجير رئيس مجلس الحكم العراقي.. ومجزرة رفح.. وتوابيت العرس الأربعين.

"مالم تحدث مفاجآت.." هكذا استدرك العاهل الأردني عبد الله بن الحسين تفاؤلَه بقمة ناجحة، قبل ساعات فقط من انعقادها.

وفي المعنى الاصطلاحي للمفاجأة تكمن المفارقة. ففي حين بذل البعض كل جهده لتحاشي "مفاجآت" قد تنسف القمة ذاتها أو مشروعها المستقبلي، فإن الشارع العربي "المحبط" جلس يحلم بـ "مفاجأة".. وإن كانت من نوع آخر، يعرف العالمون بحقيقة الوضع العربي، والمتابعون للأحداث المتسارعة أنها غير واردة في تونس أو غيرها، وإن ظل حلم الشارع وإحباطه ضاغطين بلا شك على الهاربين من تونس مارس إلى تونس مايو.

"مالم تحدث مفاجآت".. والحقيقة أننا نعيش الآن سياقًا من المفاجآت اللاهثة، والتي لكثرتها وتلاحقها، ألفناها واعتدناها حتى سقطت عنها صفة المفاجأة ذاتها. بدءاً من اغتيال الشيخ ياسين والأرض المحروقة في رفح والتلويح بمحاكمة عرفات.. حتى صور أبو غريب ومجزرة الفلوجة وإعدام الأميركي بحد السيف واعتراف باول بأن خطابه الشهير أمام مجلس الأمن كان جملة من الأكاذيب وتفجير موكب رئيس مجلس الحكم على أبواب المنطقة الخضراء "الأكثر أمنا" في العاصمة العراقية. لم يعد شيئا مفاجئا إذن! حتى تأكيدات الأميركيين بأن حفل الزفاف الذي قصفوه في "القائم" كان معسكرًا "للقاعدة" مدعومًا من سوريا، رغم الضحايا من النساء والأطفال و26 قتيلا من أسرة واحدة.

لا شيء مفاجئًا إذن.

تلك هي الأجواء المربكة التي انعقدت فيها قمة تونس المرجأة والمتأرجحة بين شتى أنواع أو اتجاهات الضغوط والتجاذبات؛ حالة من السيولة والغموض والضبابية. رغم اجتماعات التحضير الماراثونية، بلا مهلة كافية للغذاء، ورغم كاريزما الأمين العام سيئ الحظ، ورغم سرية غير مسبوقة لجلسة الافتتاح.

فلسطينيًا: تستبقُ إسرائيل القمةَ منذ أن أصبحت دورية برسالة "إلى من يهمه الأمر". فحواها باختصار أنها لا تأبه بالمجتمعين.. وأنها -لمن لم يعلم بعد- تتأهل لأن تكون في موقع المتحكم في النظام الإقليمي البديل "الشرق الأوسط الكبير".

وعلى المتضرر اللجوء إلى الصمت أو إلى البيانات "الحكيمة". أو في أفضل الأحوال التحرك لمناشدة "الوسيط النزيه" الذي لا يرى في الدماء المراقة في شوارع غزة كل صباح إلا حقَ اسرائيل في الدفاع!!

فإلى قمة بيروت قبل عامين، والتي خصصها المجتمعون لتبني مبادرة الأمير عبد الله "الأجرأ" والتي تضمن للمرة الأولى اعترافًا شاملا بالكيان الصهيوني، أهدت إسرائيل القادة العرب جريمة غزو الأراضي الفلسطينية وإعادة احتلالها ومحاصرة القيادة الفلسطينية في رام الله ومعها مذبحة جنين.

وإلى قمة تونس (مارس) التي تأجلت أهدى شارون ابتسامته العريضة وهو يهنئ جيشه على عملية الإطاحة بشيخ مقعد من على كرسيه المتحرك بثلاثة صواريخ!!

وإلى القمة المرجأة (مايو)، ورغم قرار مجلس الأمن استمرت الجرافات في هدم المنازل وتجريف الأراضي. واستمر القناصة في اصطياد كل جسم يتحرك حتى لو كان سيارة إسعاف أو طفلا يحمل قسطلا من الماء. وأطلقت المروحيات صواريخها على مسيرة تحمل الحليب للأطفال المحاصرين.

وتزامن تقديم هذه الهدايا المسمومة قبيل عقد كل قمة مع بذور تفجيرها الموجودة أصلا بسبب الأوضاع المربكة في العراق ومفاجأة الرئيس الأميركي -إذا كان في الأمر ثمة مفاجأة- بتقديم ما عرف بإعلان بوش الذي تضمن بنوداً خطيرة تنسف كل قرارات الشرعية الدولية من بينها رفض عودة إسرائيل إلى حدود 67.

عراقيا: حيث أحزاب عراقية تناشد دول الجوار عدم التدخل في "شؤونه الداخلية". وحيث عشرة آلاف عراقي راحوا ضحية "حرب التحرير" حسب تصريحات جاك سترو وزير الدفاع البريطاني قبل أيام، مات الحاكم المناوب الصوري (رئيس مجلس الحكم) قبل أن تنقله الطائرة الأميركية إلى القمة العربية "الأولى" بعد سقوط العاصمة واستخراج "المهيب الركن" من الحفرة.

وكان الانفجار الذي أمات الرئيس المناوب "المعتدل" ليس أكثر من ختم إضافي على أوراق اعتماد عاصمة العرب الشرقية سفيرة للفوضى.. والارتباك. كما أنه على قائمة التفجيرات والاغتيالات الغامضة، وبين كل ما يحدث في العراق، لم يكن غير فوهة أخرى في بوابة العرب الشرقية، تهب منها رياح السموم والفوضى -حتى الآن على الأقل- لا نسائم الحرية والعدالة والمساواة.. والديمقراطية. كما أمل المتفائلون، وروج "آخرون".

عراقيا: كل الأسئلة صعبةٌ وكما السيارات في شوارع بغداد "مفخخةٌ". والكثيرون -إن لم يكن الجميع- لا يريد أن ينزلق إلى المستنقع الذي تحاول الولايات المتحدة الخروج منه. رغم مقارنات صحفية مجحفة بين ما يحاوله الأخضر الإبراهيمي، وما لا يفعله عمرو موسى.

أميركيا: ذهب العرب إلى قمتهم وفي ملفاتهم "قانون محاسبة سوريا" المذكّر حتمًا بسابقه الخاص بالعراق. ومن خلفهم مطالبات جماهيرية بـ "وقفة مع الصديق الأميركي"، وبموقف أكثر وضوحًا من سياساته.

كما في آذانهم أصداءُ خطبة جورج دبليو بوش "الانتخابية" في المؤتمر اليهودي "إيباك" والتي علق فيها على مجزرة رفح بأن لإسرائيل أن تدافع عن نفسها.. متماديًا في تماه غير مسبوق "لأميركا وإسرائيل قصة واحدة.. فكلتا الدولتين أنشأهما المهاجرون..".

ورغم امتناع واشنطن عن التصويت على قرار مجلس الأمن "الخالي من آليات التنفيذ" بإدانة ما تفعله إسرائيل في رفح، يعلم المجتمعون في تونس أن الانحياز الأميركي "العلني" لإسرائيل غير مسبوق. إلا أنهم يعتبرون، أو بعضهم على الأقل، أن "لا شيء نملكه حيال هذا الانحياز.." كما قال زعيم عربي منذ أيام.

وعلى أية حال فالذاهبون أو القادمون من تونس أو حتى الذين لم يذهبوا.. منشغلون أكثر بما تطلبه أميركا "الإصلاح" لا بما يطلبونه هم من "الأصدقاء" في واشنطن.

على رأس القائمة إذن مبادرة عربية "لفظية" للإصلاح "من الداخل". لن يعرف أحدٌ أبدًا لماذا تأخرت حتى طُلبت "من الخارج". كما لا يعرف أحدُ أبدًا إذا ما كان سيصبح لها يوما ظلالٌ حقيقيةٌ على الأرض.

ماذا بعد؟

رغم أنه كان لابد من القمة "بمن حضر.. وإلا لن تكون هناك قمة لاحقة أبدا" إلا أن السؤال حول جدواها ونتائجها "المباشرة وغير المباشرة "يظل مشروعا" 88% ممن أدلوا بآرائهم في استبيان "الجزيرة" رأوا أن القمة التونسية ستعمق الخلافات العربية العربية، بدلا من أن تعزز العمل العربي المشترك. ففضلا عن الغائبين، و"مغاربية" الحاضرين، والخلافات التي طالت حتى مراسيم الافتتاح، تحدثت الجزائر (الرئيس القادم) علنًا عن المطالبة بتغيير واقع استقر وبات مألوفا بشأن مصرية الأمين العام. ولوح الليبيون مرة أخرى بالانسحاب.

أيا ما كان الأمر فقد انعقدت القمة في نهاية المطاف. وكان أن جاء خبر انعقادها في ذيل نشرات الأخبار (العالمية) بعد الأخبار اليومية للدمار في رفح والدماء في بغداد.. والانتخابات "الديمقراطية" الحقيقية في الهند.

انعقدت القمة.. أو نصفها إن شئنا الدقة في العدد.. وانفضت بلا مفاجآت؛ سواء هذه التي خشيها القلقون، أو تلك التي تمناها الحالمون. ولكن "يكفي أنها انعقدت" كما قال صادقا أمينها العام. لتبقي بعضًا من الدماء في شرايين الفكرة.. وشيئًا من الحياء في الوجوه. مسكينةُ "قمة تونس".. الأسئلة صعبة، والإجابات تاهت في الحسابات.

ــــــــــــــــــ
مدير تحرير مجلة وجهات نظر

 

أمريكا.. 200 عام من التطرف

بون - نبيل شبيب.

 

هل يصح القول إن السياسات الأمريكية الحالية في أفغانستان وفلسطين والعراق وعالميا هي من صنع "المحافظين الجدد" أو المحافظين الأصوليين المتطرفين وعقيدتهم المسيحية التوراتية فحسب؟.. هل يمكن الفصل –ولو شكليا- بين الاتجاهات العسكرية الدولية في سياسة الحكومة الأمريكية بعد وصول جورج بوش الابن وفريقه إلى السلطة، ومسارها التاريخي من قبل، وما ستكون عليه من بعد، بغض النظر عن احتمالات تبدل أجهزة السلطة في واشنطن؟

المنشأ الذاتي لسياسة الهيمنة

لم يولد الفكر المتطرف سياسيا ودينيا في تيار المحافظين الجدد والمسيحية التوراتية من فراغ، وربما كان من أوائل من نبه إليه في المنطقة العربية الأستاذ إسماعيل الكيلاني في كتابه "الخلفية التوراتية للموقف الأمريكي"، بل كان ذلك الفكر حصيلة تطور تاريخي أخذ -إلى جانب الجذور العقائدية له- مجراه الفكري من قبل ظهور هذا التيار بزمن طويل، وضرب جذوره في تصور "حضاري" منحرف، يكمن محوره في تطويع التقدم المادي والتقني بعلومه وآلياته وثماره لأغراض الهيمنة الاحتكارية المطلقة. كما أخذت أبعاده السياسية التطبيقية في منحنى التصعيد المتواصل، مرحلة بعد أخرى، وميدانا بعد ميدان، وانتشارا جغرافيا بالقوة، اعتمادا على أحداث يصنعها أو يحركها صانع القرار الأمريكي من وراء واجهة الأجهزة السياسية، وأخرى تقع عالميا، فيعمل على توظيفها في إطار الاتجاه نحو هدف ثابت... هو الهيمنة عالميا.

تفاوتت الأساليب والوسائل، ولغة الخطاب السياسي، بما في ذلك استغلال متواصل لصياغة القيم واستغلال عقائدي يخدمان غرض التعبئة "الشعبية"، بصورة متواصلة، من عهد إلى عهد، ومن رئيس إلى رئيس، وبلغ ذلك مداه في الفترة ما بين ريجان وبوش الأب من الجمهوريين، عبر كلينتون من الديمقراطيين، وبين بوش الابن من الجمهوريين، ولا ينتظر أن يتبدل جوهر هذه المسيرة إذا ما وصل كيري من الديمقراطيين إلى السلطة مع نهاية عام 2004.

وكثيرا ما تردد في إطار محاولات "تبرئة" السياسات الأمريكية من الميل ذاتيا إلى العدوانية أن الأحداث العالمية هي التي تدفعها إلى التحرك خارج الحدود الأمريكية، ويقال بهذا الصدد: إن السياسة الأمريكية كانت حريصة على دعم تحرر الشعوب -أيام ويلسون- ولم تنتقل إلى وراثة الاستعمار التقليدي إلا مع الحرب العالمية الثانية، كما تردد حديثا أنها تحولت بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن إلى تبني نهجها الجديد وإعلان الحرب الاستباقية.

على أن قسطا كبيرا من هذه المقولات يستند إلى انتقاء شعارات ومواقف وحتى خطوات سياسية من بين سواها؛ لمقارنتها بين عهد وآخر، وتغفل تلك المقارنات غالبا عن دراسة الظروف الآنية لما يجري انتقاؤه، فلا تسلط الأضواء على توظيف خطوة معينة قد تبدو إيجابية بحد ذاتها؛ لتحقيق غرض أبعد سلبي بمنظور حصيلته على المستوى البشري والدولي. فالعمل لوراثة الاستعمار التقليدي وترسيخ الاستعمار الجديد بردائه الأمريكي -على سبيل المثال- كان هو الهدف في فترة معينة من وراء دعم "حق تقرير المصير" للشعوب المستعمرة، مع ما يعنيه ذلك من إضعاف الدول الاستعمارية التقليدية المراد وراثتها.. كما كانت الخطوات الاستعمارية الأمريكية عسكريا كما في الفلبين وراثة للاستعمار الأسباني، واقتصاديا كما شهدت منابع النفط الأولى بين إيران والجزيرة العربية وراثة للاستعمار البريطاني. كانت هذه الخطوات على سبيل المثال دون الحصر تسير جنبا إلى جنب مع "دعوات" تحرير الشعوب وإقرار حق تقرير المصير لها. ولم تقع نكسة لهذا المنهج الازدواجي بتأثير التزام بالمواثيق الدولية أو القيم الإنسانية، وإنما كانت النكسة الأظهر للعيان من خلال هزيمة عسكرية، كما وقع في فيتنام، التي ورثت الدولة الاستعمارية الجديدة -وهذا مثال آخر- غزوها العسكري عن فرنسا الاستعمارية التقليدية.

وفي الحقبة الأخيرة أيضا يستشهد كثيرون بعهد نيكسون لتأكيد نقلة نوعية إيجابية في السياسة الأمريكية باتجاه الانفراج الدولي، بدلا من صراع الهيمنة والنفوذ. ولكن غالبا ما يغيب في تحليلاتهم أنه ووزير خارجيته كسينجر آنذاك لم يتحركا على طريق الانفراج إلا بعد أن تحركت أوربا بمبادرة ألمانية لمدة عامين على الأقل، وسط اعتراضات أمريكية متواصلة، ثم كان التحول في السياسة الأمريكية مقترنا بعنصرين: أحدهما الضغوط المالية الداخلية الناجمة عن هزيمة فيتنام وثورة أسعار النفط الخام، والآخر إدراك الساسة الأمريكيين أن مواصلة معارضتهم لسياسة الانفراج يمكن أن تفضي إلى تقارب أوربي سوفيتي أكبر، كانت موسكو تسعى إليه في عهد بريجنيف لزرع وتد في حلف شمال الأطلسي.

واقترن ذلك التحول الأمريكي بدوره بمحاولة إيجاد طرف جديد في اللعبة الدولية من خلال إنهاء حصار الصين، في فترة كان النزاع الشيوعي بينها وبين الاتحاد السوفيتي على أشده. ولم تستمر سياسة الانفراج الأمريكية هذه طويلا، فما إن انتهى عهد نيكسون ثم عهد جيرالد فورد القصير من بعده حتى عادت الدولة الأمريكية إلى سابق عهدها عبر سياسة التسلح بأقصى مداه في عهد ريجان، وإلغاء كلمة "الانفراج" في الخطاب السياسي الأمريكي وحلول عناوين جديدة للمواجهة السياسية والعسكرية.

تطرف تاريخي الجذور

مسيرة عسكرة الهيمنة الأمريكية بدأت واقعيا من قبل ولادة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها أو "استقلالها". ولئن دخلت حرب الاستقلال الأمريكية كتب التاريخ، بصياغتها الغربية التي تعتبرها مع الثورة الفرنسية حاضنة لمنظومة الحقوق والحريات الإنسانية الحديثة؛ فقد دخلت التاريخ أيضا باعتبارها من أشد الحروب دموية، كالثورة الفرنسية أيضا، وكانت في الوقت ذاته بمثابة حجر الأساس لانتشار الحضارة الغربية الحديثة التي عرفت عند أهلها بحضارة "الإنسان الأبيض" مما يعطيها –داخل حدودها وحيثما انتشرت خارجها- بعدا عنصريا واضحا للعيان، على الأصعدة النظرية والتطبيقية.

ومنذ نشأة الدولة الأمريكية نفسها تابعت ما سبق تأسيسها من إبادة منظمة للهنود الحمر، في حدث تاريخي لم يسبق مثيله، ولم يأت بعده ما يعادل معشاره؛ كذلك فإن وصول عدد الولايات الأمريكية إلى 51 ولاية اقترن بالحروب حتى اكتملت السيطرة على أمريكا الشمالية، وسرعان ما بدأت على الفور مسيرة الهيمنة خارج الحدود.

"الاستعمار الأمريكي" في أمريكا الوسطى والجنوبية كان استعمار غزوات متوالية عسكريا، واحتلال البلدان الصغيرة لعشرات السنين، وتنصيب الحكومات الموالية لواشنطن، وتدبير الانقلابات، واغتيال الرؤساء، وهذا في فترة زمنية استمرت عدة عقود، وتوبعت إلى ما بعد الحربين العالميتين في القرن الميلادي العشرين.

ثم كان أول تحرك عسكري كبير خارج نطاق القارة الأمريكية مرتبطا باستكمال أسباب الهيمنة عليها وفاتحة للهيمنة العالمية، فانطلقت القوات الأمريكية لفرض الاستعمار الأمريكي خلفا للأسباني في الفلبين المنصة العسكرية الأولى للتحرك العسكري في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي الذي أنهت هزيمة فيتنام مرحلته الأولى، وبدأت مرحلته الجديدة بغزو أفغانستان، مع ما ارتبط بذلك من سيطرة عسكرية واقتصادية تستكمل حلقات الشريط الاستعماري الأمريكي إلى بحر قزوين وحتى البلقان، وتنطلق منه الهجمة العسكرية الجديدة على البلدان الإسلامية الأخرى.

وفي هذا السياق تأتي أيضا المشاركة الأمريكية في الحربين العالميتين التي أسفرت واقعيا عن الهيمنة الأمريكية الأطلسية في غرب أوربا، ثم لم تنقطع من خلال ذلك التدخلات العسكرية الأمريكية التي بلغت 150 واقعة عسكرية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية القرن الميلادي العشرين، في مختلف أنحاء العالم.

وليست هذه النزعة العسكرية للهيمنة منفصلة عن طبيعة تكوين الفكر المادي للسيطرة الاقتصادية العالمية؛ فكما كانت حملات إبادة الهنود الحمر مقترنة بما عرف من سباق دموي محموم على مناجم الذهب في أنحاء القارة والسيطرة عليها كذلك كانت النسبة العظمى من التحركات العسكرية الأمريكية عالميا مرتبطة -منذ أكثر من قرن ونصف القرن- بالبحث عن مصادر الطاقة والسيطرة عليها وعلى إمداداتها.

المواجهة مع الإسلام

وليس صحيحا أن الحملة الأمريكية في المنطقة الإسلامية "بدأت" بعد سقوط الشيوعية وطرح النظريات الفكرية، مع رفع الشعارات المعادية مباشرة للإسلام والمسلمين، إنما سارت التطورات في اتجاه "التفرغ" النسبي للمنطقة الإسلامية بعد انتهاء الحرب الباردة.

ومن الواضح من قبل الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق أن الدول الإسلامية منفردة ومجتمعة لا تشكل -في المدى المتوسط على الأقل- خطرا عسكريا على الولايات المتحدة الأمريكية، إنما الخطر الحقيقي -الذي أصبح قريب التأثير- هو الخطر الحضاري؛ ومنذ انهارت الحواجز عبر ثورة الاتصالات ازداد الإحساس بذلك "الخطر" داخل الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا تسري كلمة "خطر" هنا بمعناها الأصلي، إلا بمنظور الفئة المهيمنة ماديا واحتكاريا في الغرب ومن خلاله عالميا، وإلى وقت قريب كانت هذه الفئة التي كشفت العولمة عن حقيقة نفوذها وموقعها في شبكة العلاقات الدولية وداخل كل دولة على حدة.. كانت قادرة على تركيز الأنظار على إنجازات الحضارة المادية، ما بين الوصول إلى القمر عام 1969، وثورة الحاسوب والشبكة منذ عام 1981، وثورة الاتصالات الإلكترونية حاليا، ولكن بدأ ينكشف الغطاء عن "إنجازات أخرى" ترمز إليها عناوين كوكاكولا وماكدونالدز، أو مادونا ومايكل جاكسون، وتتأرجح ما بين الخواء والانحلال.. فضلا عن أفلام العنف ومظاهر الترف، وتلويث البيئة والقيم، وأسلحة المجون الإباحية الأشد فتكا بالإنسان من داخله.

لقد تزامن سقوط كثير من الحواجز مع ثورة الاتصالات والمعلومات في وجه إمكانات التعرف على الإسلام وقيمه ومنهجه في الحياة، مع ارتفاع مطرد للإحساس في الغرب بالحاجة إلى ثورة جديدة على صعيد القيم، وليس على صعيد التقنيات الحديثة فحسب. بينما كانت الحضارة المادية الغربية قد قامت ابتداء على إنكار شبه مطلق لحقبة الحضارة الإسلامية على وجه التخصيص، حتى إن كتب تدريس التاريخ تجعل من تلك الحقبة ما يشبه "البقعة السوداء" الفارغة من أي إنجاز، إلا ما قام على افتراءات لا يمكن تصديقها لولا اعتماد ترسيخ الجهل عن تلك الحقبة الحضارية ترسيخا منهجيا، وهذا ما بقي سائدا في الغرب لعدة قرون، إلى أن بدأت حديثا فقط معالم زعزعة ما يمكن وصفه بالكذبة الحضارية الكبرى.

ولم يعد يمكن في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات الحفاظ على تلك الصورة المزورة للتاريخ والواقع، كما لم يعد خافيا أن الإسلام الذي حوصر داخل بلدانه زمنا طويلا عبر الاستعمار التقليدي -فالغزو متعدد الأشكال ثقافة وفكرا وقيما وتغريبا في مختلف الميادين- قد بدأ ينتشر مجددا بدرجات متفاوتة في البلدان الغربية نفسها، وعاد بنسبة لا بأس بها إلى "وعي" الشعوب الإسلامية، بغض النظر عن افتقاد ما يكفي من المناهج العملية لنهوض حضاري إسلامي جديد.

لقد أخفقت المواجهة الأمريكية للإسلام من قبل هذه الحقبة على صعيد صراع القيم أو الأفكار أو الثقافات؛ ولهذا كان الجانب "العسكري" هو المحور الأول في التوجهات السياسية الأمريكية الجديدة التي بدأت مع سقوط الشيوعية ورفع شعار "الإسلام عدو بديل" على لسان ديك تشيني وزير الدفاع آنذاك (عام 1991)، نائب الرئيس الأمريكي حاليا. فأصبحت "القوة العسكرية" في المقدمة وليس "الأخلاق والقيم"، وكان الواقع التطبيقي في بلدان أفغانستان وفلسطين والعراق وسواها هو الجواب العملي على تساؤل طرحه المستشار السابق للرئاسة الأمريكية "أويجن روستوف" عما يجب أن يصبغ معالم السياسة الأمريكية عالميا "القوة أم الأخلاق، والواقعية أم المثالية، وحماية المصالح أم نشر القيم، والأفكار التحررية أم المحافظة؟"..

إن ما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان في المنطقة العربية والإسلامية المستهدفة مباشرة في الوقت الحاضر من جانب صانعي القرار الأمريكي بغض النظر عن الواجهة السياسية المتبدلة.. أنه على قدر المعرفة الأعمق بطبيعة الهيمنة الهمجية الأمريكية الحالية يزداد الحرص داخل الولايات المتحدة الأمريكية تدريجيا، وداخل الغرب عموما بسرعة كبرى على الرغبة في الانفصال عن هذه المسيرة العدوانية، وهو ما يظهر من خلال المواقف الفكرية والإعلامية كما بدأ يظهر عبر المواقف السياسية، مع تفاوت الدرجات، وفق درجة تشابك المصالح المادية، بينما لا تزال الدول العربية والإسلامية كأنها حريصة أشد الحرص على الانفراد عالميا في الانصياع للهيمنة الأمريكية، دون شروط، ودون مقاومة تذكر.. رغم ازدياد ظهور معالم المقاومة الشعبية للعيان.

والله غالب على أمره، والعاقبة لمن يعلم بما يجري، فيحدد موقعه، ويعمل على طريق نجاة أهله وبلاده ومتقبله، ونجاة إنسانية الإنسان والأسرة البشرية، يحدوه الأمل الموضوعي بالنصر، ويقود خطاه العمل المنهجي إلى أن يتحقق النصر

 

هزة العلماء تزلزل العالم

أحمد فتحي- سدرة عبد الله

"تحركوا تثبيتا للمسلمين، تحركوا لبثِّ روح الجهاد".. صرخة أطلقها كريم -أحد رواد ساحة الحوار في موقع "إسلام أون لاين.نت"- بعد ظهور الفتنة من نتائج الحرب على العراق إلى العلماء.

العالم.. ذلك القبس الذي نستنير به في دياجير الظلمة التي تحيط بالأمة، وبما يعد لها من الأمم التي تداعت عليها، غاب في هذا المفصل التاريخي؛ لطالما لعب العالم دوره وغبر سير التاريخ التي كانت تترصد برايات سوداء الأمة، ولعل اجتماع علماء الشام ومصر في القاهرة من عام 657 هجرية، وعلى رأسهم العز بن عبد السلام، وموقفهم من الغزو المغولي، ودورهم الحاسم في إذكاء الجهاد في نفس الشعوب، ودور العالم ابن تيمية في مواجهة السلطان المغولي قازان عام 702 هجرية، وسيره إلى مصر مستحثا السلطان المملوكي الناصر (الذي هاله كثرة عدد جيش المغول)، ولكن تحريض ابن تيمية له -رحمه الله- جعله يتم الخطوة ويأتي للأمة بالنصر، وحين أتى الناس ليهنئوه بالنصر قال: "أنا رجل ملة، ولست رجل دولة". هؤلاء العلماء ومن على شاكلتهم يجعلوننا نفتش بين الوجوه الحاضرة عمن يفعل فعلهم من علمائنا، لكي يخرج الأمة من أعتى الظروف التي تتعرض لها عبر التاريخ.–

أين هو رجل الملة الذي يقلب المعادلات على الأرض؟

لماذا هذه الجفوة بين العالم وأبناء الأمة؟ كانت الشعوب المسلمة إبان الحرب على العراق متحفزة، وكان ظهور عالم -يلعب دور العز بن عبد السلام- يمكن أن يقلب المعادلة، أو يجعل الشعوب تظل متمسكة بذلك الحبل!! أين هو دور العالم في وسط كل ما يدور؟

تداعيات سقوط بغداد

تداعيات العدوان على العراق طرحت ألف سؤال عن غياب العالِم، أسئلة تدور عن العز بن عبد السلام، عن دور العالم الغائب، عن تداعيات وكوارث ومذابح وعمليات إبادة للمسلمين في العالم جلبها غياب العالم.

ليست هناك كارثة أكبر من أن يغيب دور العالم في مفاصل التاريخ أو يسقط في مجاهله؛ ففيما يروى أن الإمام أبو حنيفة النعمان كان يمشي في الطريق، فرأى غلاما أمامه حفرة، فقال: "إياك يا غلام أن تسقط"، فقال الغلام: "بل إياك يا إمام أن تسقط، إن أنا سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم"!

إن غياب العز بن عبد السلام عن عصرنا جعل الاهتزازات الارتدادية (الارتداد عن الإسلام) أشد قسوة في عالمنا الإسلامي. وهل هناك أخطر من أن يعلن أحد المشاركين: "أخي ترك الصلاة.. وهو الحريص على صلاة الجماعة منذ أن كان في الرابعة من عمره، وعندما نهره أخوه الأكبر قال: لن أدعو على أمريكا فهي على حق، وإن الله نصرهم كما نصر المسلمين في بدر".. هذا ما قاله أحد المشاركين لساحة الحوار بشبكة "إسلام أون لاين.نت" ردًّا على مداخلة للساحة بعنوان "كنا واهمين".

وكذلك أحد المشاركين العرب المغتربين في ألمانيا، ويدعى "علي" يقول في يأس: "زوجتي تقرر خلع الحجاب، وتطلب مني أن نرتد عن الإسلام، وترى أن الله لو كان مع المسلمين لانتصروا"، وذكر علي أن زوجته أسلمت منذ حوالي 3 سنوات.. إنها كارثة حقيقية تمثلت بحالات من الردة يوم سقوط بغداد.

المشهد العراقي في ذمة العلماء

فضيحة انتهاكات سجون "أبو غريب" كانت قمة المشاهد التي كان لزاما أن يكف المشاهد عن المتابعة بعدها، وأن يقول العلماء كلمتهم للحكام مجتمعين، لكن لم تخرج كلمة حاسمة، ولم يخرج العلماء بإجماع حول الموضوع بضرورة التحرك عمليا في كلمة لهم، في وجه حاكم فتح قنواته للبواخر الأمريكية، أو أباح الأرض للقواعد العسكرية، واستمر غياب دور العلماء، واستمرت مآسي المسلمين!!

لقد "وضع الاحتلال النساء في الطابق العلوي في أحد قواطع (أقسام) سجن أبو غريب الانفرادي، وكانوا يُخرجون النساء ليشاهدن ما يحدث من حالات تعذيب وحشية وتعرية يتعرض لها الرجال المعتقلون في السجن وهم مقيدو الأيدي.. وبدون أن يضعوا غطاء أو كيسا في رأس الرجال".

"عملية التعذيب الجسدي المصحوبة بالانتهاكات الجنسية كانت تحدث في سجن أبو غريب بمعرفة مديرة السجن التي كانت تقوم بزيارات يومية، وترى بأم عينها عراقيين معتقلين وهم عراة؛ والبعض منهم معلق من يديه على باب زنزانته الانفرادية من الليل حتى الصباح". هذا ما نقله أحد السجناء الذين أطلق سراحهم كشاهد حي على انتهاكات أبو غريب، ويضيف: "هذه أفعى سامة، لدغتها تؤدي إلى الوفاة خلال ست ساعات. سبق لمعتقلَيْن أن قضيا من جراء ذلك. ولكن من يهتم؟".

ترك العلماءُ المسلمَ المجروح في كرامته وحده يواجه أقسى المشاهد، وآخرها كان صورة العراقية المغتصبة؛ كيف يواجه تلك الصورة؟ وكيف يساعد العراقية على مواجهة مستقبلها الخطير؟! وبمبادرة فردية خرج أحد المشاركين في ساحة الحوار في "إسلام أون لاين.نت" عارضا طلبه للزواج من عراقية مغتصبة؛ وأثارت بعض الردود -التي تعاملت مع طلبه بشيء من الاستغراب أو الاستخفاف أو على أنه مجرد طلب للزواج- حفيظة مشاركات ومشاركين، وتحول مسار تلك المداخلة التي طرحت أقبح صورة تمر في تاريخ المجتمعات الإسلامية.. إلى ما يشبه المشادة، وغاب الهدف من المداخلة بغياب العلماء!!

المشهد العراقي في ذمة العلماء.. لو لعبوا دورهم لما شاهدنا آخر المداخلات.

ومن العراق إلى فلسطين تتناثر أشلاء المسلمين.. وآخرها أشلاء أطفال وشيوخ ونساء "رفح" في المجزرة الإسرائيلية الأخيرة التي خلفت وراءها ما يقترب من الـ60 شهيدا و300 جريح، وما يقرب من 1500 عائلة شردت واتخذت من المساجد والساحات سكنا لها! وكرد فعل وكأقصى ما جاء من علمائنا: إطلاق دعوات التنديد والإغاثة! وهو ما دعا رنا أحمد وغيرها من القراء داخل ساحة الحوار للقول: "عذرا علماء المسلمين.. ليس هذا هو المطلوب منكم"، إنما المطلوب هو "إعلان فرضية الجهاد والنصح للحكام".

وفي النهاية يبقى المشهد العراقي والمشهد الفلسطيني وتداعياتهما في ذمة العلماء، لو لم يتحركوا تثبيتا للمسلمين.

 

فودافون وسوني تسعيان لتزويد الجوال بالأغاني والفيديو

 

قالت شركة فودافون أمس الاثنين إن اختيارها وقع على شركة سوني ميوزيك إنترتينمنت اليابانية في اتفاق سيتيح لعملائها تحميل نغمات موسيقية ومشاهدة لقطات فيديو لفنانين من أمثال أناستاسيا وفريق أي سي دي سي.

وذكرت مجموعة فودافون أكبر شركة لتشغيل شبكات الهواتف المحمولة بالعالم من حيث الإيرادات أن سوني ميوزيك ستعزز أنظمة فودافون الحية أو خدمات الوسائط المتعددة بإضافة موسيقى حية ونغمات متعددة الأصوات "البوليفونيك" وصور فنانين أو بث مشاهد فيديو بجانب إمكانية تحميل مشاهد فيديو قصيرة.

وأوضحت أن الاتفاق الذي سيضيف أيضا إلى الخدمة فنانين أمثال نجمة البوب جيسيكا سمبسون وفرق موسيقى الروك مثل أنكيوبوس إلى هواتفها سيكون متاحا مبدئيا للعملاء في 15 دولة، وسيعمل على زيادة الخدمات الموسيقية المقدمة عبر الهواتف في وقت ستواصل فيه الشركة طرح الجيل الثالث من الهواتف المحمولة هذا العام.

وبدأت شركات الاتصالات والإلكترونيات التي دخلت في سباق محموم لاستحداث المزيد من مصادر الدخل في بث موسيقى حية عبر الهواتف المحمولة المزودة بمسجلات فيديو مدمجة وكاميرات رقمية ومنظم للمواعيد وألعاب بل وأحيانا أجهزة لمراقبة الحالة الصحية للمستخدم.

المصدر :رويترز

 

بعد برنامج كازا للتحميل المجاني

إسكايب تقنية جديدة للاتصالات الهاتفية عبر الإنترنت

عندما طُرح برنامج مشاركة الملفات الشهير- كازا- للتحميل المجاني، حقق البرنامج نجاحا هائلا، حيث قام ما يزيد على 60 مليون مستخدم حول العالم بتحميله على حواسيبهم.

وقد أصاب ذلك البرنامج صناعة الموسيقى بهزة عنيفة لأن المستخدمين كانوا يقومون بتحميل ملفات الموسيقى مجانا من على حواسيب نظرائهم. ولهذا اضطر مؤسسا (كازا) إلى بيعه لشركة أسترالية (شركة شارمان) للإفلات من الملاحقات القضائية التي تقوم بها شركات إنتاج وتوزيع الموسيقى.

والآن، يعود مؤسسا الشركة، الشابان نيكلاس زينستروم ويانوس فرييس، بتقنية جديدة اسمها إسكايب Skype، وهي غالبا ستحدث هزة في قطاع الاتصالات الهاتفية لا تقل عن تلك التي أحدثتها (كازا) في قطاع الموسيقى، ولكنهما أكثر حذرا هذه المرة إزاء المشكلات القانونية.

فقد أعلن رئيس الشركة الجديدة -زينستروم- في مؤتمر للاتصالات الهاتفية عبر الإنترنت في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأربعاء الماضي أنه تعاقد بالفعل مع شركتين أميركيتين على تقديم خدمة الاتصال الهاتفي باستخدام تقنية Skype عبر الشبكات اللاسلكية للإنترنت -المعروفة اختصارا بـ Wi-Fi- مقابل أسعار زهيدة للغاية مقارنة بالمنافسين.

يقوم برنامج إسكايب على تقنية VoIP، أي بروتوكول نقل الصوت عبر الإنترنت. حيث يتم تقسيم الصوت المنساب إلى دفقات من البيانات يتم نقلها عبر شبكات نقل البيانات السلكية أو اللاسلكية.

وبمجرد أن يقوم المستخدم بتحميل برنامج إسكايب مجانا من على موقع الشركة (skype.com)، فإنه يستطيع أن يجري محادثات مجانية مع الأشخاص الآخرين الذين لديهم نفس البرنامج على حواسيبهم. وقد حقق البرنامج نجاحا مدويا حتى الآن، يفوق نجاح (كازا)، إذ تم تحميل البرنامج (الذي تم تدشينه منذ 9 أشهر) على حوالي 12 مليون حاسوب في 170 دولة، وهو حاليا أكثر البرامج تحميلا على شبكة الإنترنت على الإطلاق.

ولكن ما هو الجديد في برنامج إسكايب إذا كانت برامج "الدردشة بالصوت" موجودة بالفعل منذ وقت طويل من خلال المرسال اللحظي Messenger لشركات مثل مايكروسوفت وياهو؟

والإجابة هي أن برنامج إسكايب مدعوم بتطبيقات حاسوبية ذكية، شأنه شأن (كازا)، إذ يلقي بعبء توجيه وتحويل ونقل الاتصالات على عاتق حواسيب المستخدمين نفسها، وليس على بنية تحتية من الحواسيب الخادمة التي تزداد تكلفتها كلما زاد عدد المستخدمين، مما يميز تقنية إسكايب على تقنيات الاتصالات الأخرى. بل إنه كلما زاد عدد المستخدمين لتقنية إسكايب الصوتية ارتفعت جودة الاتصالات، لأن حاسوبا جديدا أضيف إلى البنية التحتية (المجانية) للشركة.

ولكن شركة إسكايب لن تكتفي بتقديم الخدمة المجانية الخاصة بالاتصالات بين الحواسيب، وإنما ستقدم خدمة أخرى مدفوعة الأجر هي SkypePlus تتيح للمستخدم استقبال البريد الصوتي (الوارد إلى هاتفه الثابت أو الجوال) على حاسوبه من خلال اتصاله بشبكة الإنترنت، وكذلك خدمة SkypeOut التي تتيح للمستخدم الاتصال من حاسوبه (المتصل عبر الإنترنت) بأي هاتف ثابت أو جوال في العالم في مقابل أسعار لا تقارن بأسعار الاتصالات الحالية.

وقد بدت بواكير نجاح الشركة الجديدة في حصولها على تمويل من شركات أميركية يبلغ حوالي 412 مليون دولار. كما أن مؤسسيها بصدد التفاوض مع شركات إنتاج هواتف عالمية، مثل سيمنز، لإنتاج هواتف متوافقة مع تقنية إسكايب.

وقد ذكرت مجلة تكنولوجي ريفيو التي تصدر من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن تقنية إسكايب هي امتداد لتقنية كازا، وأن أهم ما يميزها هو جعل التقنية بالغة الذكاء والتعقيد سهلة الاستخدام للجميع.

وكانت مجلة فورتشن الأميركية -في عددها الصادر منتصف شهر فبراير/شباط الماضي- خصصت مساحة كبيرة لحوار مع الشابين المؤسسين للشركة، زينستروم وفرييس، وأبرزت قدرتهما على صنع هزات في قطاعات التقنية المستقرة.

ويذكر أن قطاع الاتصال الهاتفي عبر الإنترنت قد حظي بقدر من الزخم في الآونة الأخيرة، خاصة مع دخول شركات كبيرة ذات بنى تحتية واسعة مثل AT&T وفيريزون في هذه الحلبة، وكذلك التعاون الذي أعلن عنه مؤخرا بين شركتي IBM وسيسكو لتوسيع ذلك السوق، إضافة إلى الشركات التي تقدم خدماتها من خلال الإنترنت فحسب مثل Net2Phone وفونيدج.
___________________
المحرر العلمي ـ الجزيرة نت