الهــاتـف العـربــي

 

التاريخ: 1/1/2004 __________________________العدد 108

 

كلمــة التحـريـر

صح النوم يارئيس

 

لن يقبل شعب ارض الصومال أي اعذار من الرئيس طاهر ريالى كاهن في حالة إظهاره أي نوع من التقاعس في إتخاذ الخطوات اللازمة لاخراج مليشيات عبد الله يوسف من لاسعانود وجميع الاراضي الحدودية التابعة لجمهورية ارض الصومال .

فمن الواضح ان عبد الله يوسف وضع نفسه في مأزق صعب عندما امر مليشياته بغزو مدينة لاسعانود في التاسع عشر من شهر ديسمبر 2003 .

وقد قدم عبد الله يوسف بعمله الطائش هذا فرصة ذهبية لارض الصومال لكي تستعيد سيطرتها الكاملة على اراضيها الواقعة ضمن الحدود الدولية التي ورثتها عن الاستعمار البريطاني .

وحتى الان لا نرى بان الرئيس طاهر ريالى كاهن قد عمل بما فيه الكفاية للاستفادة من التأييد الشعبي لصالح موقف الحكومة الداعي الى بسط سيطرة الدولة على كامل اراضيها ووضع حد للانتهاكات المستمرة التي تقوم بها مليشيات عبد الله يوسف لحرمة وسيادة الاراضي التابعة لصوماليلاند والواقعة على الحدود الشرقية للدولة . وينبغي على الرئيس طاهر ريالى ان يصحى من نومه ويتحرك بصورة اكثر جدية لتعبئة كافة المقدرات الحكومية والشعبية نحو تحقيق هذا الهدف المنشود .

المطلوب في هذه المرحلة تقوية الجبهة الداخلية عن طريق تعزيز المشاعر الوطنية . وطبعاً تقع مسئولية الحفاظ على وحدة الصف على عاتق الرئيس طاهر ريالى كاهن . ولبلوغ هذه الغاية يجب على الرئيس ريالى ان يبادر فوراً الى ان عقد لقاءات ومشاورات واسعة مع قادة حزبي المعارضة حول تطورات الموقف في منطقة لاسعانود وشرق سناج واطلاعهم على الخطوط العريضة لسياسة الحكومة لمعالجة هذا الامر , كما انه ينبغي على الرئيس طاهر ريالى كاهن ان يستفيد من الخبرات العسكرية المكتسبة ابان حرب التحرير . وبهذا الخصوص يتحتم عليه استدعاء بعض القادة العسكريين الذين خاضوا الكفاح المسلح ضد نظام سياد بري البائد من اجل التشاور حول افضل السبل الاستراتيجية والتكتيتية الكفيلة بردع المليشيات الغازية وتلقينها درساً موجعاً يصبح عبرة لكل من تراوده له نفسه النيل من السيادة الصوماليلاندية في المستقبل .

وقد لفت نظرنا خلال الايام القليلة الماضية ان الحكومة لم تعط الاهتمام المطلوب للجانب الاعلامي .

وطبعأ لا نطلب من الرئيس ريالى ان يطلق الاكاذيب والتهديدات الفارغة من أي معنى عبر اذاعة ابـ BBC كما يعمل عبد الله يوسف , ولكن المرحلة الحالية تتطلب ان تكون هناك جهة معنية تتولى مسئولية ايصال المعلومات الى الشعب والى وسائل الاعلام المحلية والعالمية .

ومن الضروري إسناد مثل تلك المهمة الى اناس قادرين على شرح وجهة نظر الجانب الصوماليلاندي الى المواطنين والمجتمع الدولي , وقد حان الوقت لكي يكون هناك ناطق رسمي باسم الدولة على مدار الـ 24 ساعة ويمكن الاتصال به بسهولة من قبل الصحافة المحلية والاجنبية .

وفي هذه المرحلة يجب تقوية تواجد الدولة في المناطق الشرقية عن طريق ايفاد ابناء تلك المناطق من الوزراء واعضاء مجلسي النواب والشيوخ .

وفي الاخير يجب عدم الانخداع بدموع التماسيح التي يردفها عبد الله يوسف بمطالبته ان تتفاوض صوماليلاند معه حول مصير سول وشرق سناج .

فاراضي صوماليلاند ليست قابلة للتفاوض .

ومن الواضح ان هذا المعتوه ذات السجل السياسي والعسكري الحافل بالفشل تلو الفشل , يحاول الان الانفلات من مأزقه عن طريق الانسحاب من لاسعانود شريطة موافقة حكومة الرئيس ريالى على عدم دخول قوى الامن الصوماليلاندية تلك المنطقة .

ويجب على حكومة الرئيس طاهر ريالى عدم الوقوع في هذا الشرك بل ينبغي عليها الاسراع بتصفية وجود ازلام عبد الله يوسف في لاسعانود وبقية الاراضي الصوماليلاندية المحاذية للحدود الشرقية .

 

 

عبد الله يوسف يستنجد بالقبائل الدارودية بايثوبيا

 

لاسعانود ( الهاتف العربي):-

ذكرت مصادر موثوق بها يوم امس للهاتف ان عبد الله يوسف زعيم إحدى الفصائل المسلحة في شمال شرق الصومال الإيطالي سابقاً , قد أرسل مبعوثين الى مناطق وردير وجلادي و جودي الواقعة في الإقليم الصومالي من ايثوبيا بهدف إقناع القبائل الدارودية القاطنة في تلك المناطق تزويده بالأسلحة والذخيرة والرجال للقتال الى جانب صفوف قواته التي تحتل منذ 23 ديسمبر مدينة لاسعانود , عاصمة اقليم سول التابع لصوماليلاند .

وأضافت المصادر ان المبعوثين ابلغوا أعيان القبائل بان صوماليلاند أصبحت تشكل خطورة على دولة عبد الله يوسف التي وصفوها بالسلطة الوحيدة القائمة على أراضى الدولة الصومالية المنهارة والتي يتزعمها قائد ينتمي الى قبيلة الدارود .

وحاول المبعوثون استمالة القبائل بإلقاء اللوم على حكومة الرئيس طاهر ريالى بشأن إلقاء القبض على مقاتلين من جبهة تحرير الاوغادين في هرجيسا في مطلع شهر ديسمبر الماضي , زاعمين ان عبد الله يوسف امر باعطاء التجار المنحدرين من مناطق وردير وجلادي وجودي تسهيلات في بوساسو اثر خروجهم من هرجيسا بعد إلقاء سلطات البوليس القبض على 34 عضواً من جبهة تحرير الاوغادين المعروفة بالأحرف الأربع ONLF .

وكانت صحيفة الـ Somaliland Times قد ذكرت قبل حوالي 3 أسابيع ان مؤيدين لجماعة الـ ONLF قد نقلوا نشاطاتهم التجارية من هرجيسا الى بوساسو بعد إنكشاف خلايا لجماعة الـONLF في هرجيسا نفسها .

وذكرت المصادر ان مبعوثي عبد الله يوسف لا يزالون متواجدين في الإقليم .

من جانب اخر قال عبد الله يوسف في حديث ادلى به امس الى القسم الصومالي من إذاعة الـ BBC انه لا يعترف بالحدود الاستعمارية الموروثة عن الإيطاليين والبريطانيين مدعياً ان من واجبه توفير الحماية لابناء قبيلته " بغض النظر عن الخطوط الحدودية المصطنعة".

وفي بيان اصدره يوم امس من نيروبي زعم عبد الله يوسف ان رئيس جمهورية جيبوتي اسماعيل عمر جيلى ورئيس جمهورية ارض الصومال طاهر ريالى كاهن وزعيم فصيل عرته قاسم صلاد قد اتفقوا على التآمر ضده . وقال عبد الله يوسف ان من ضمن بنود المؤامرة ان تشن ارض الصومال حرباً على مليشياته لاخراجها من اقليمي سول وسناج لاجباره أي عبد الله يوسف , بالخروج من محادثات المصالحة الصومالية المنعقدة بكينيا منذ اكتوبر عام 2002 .

وزعم عبد الله يوسف ان الهدف من وراء المؤامرة هو إفشال محادثات المصالحة مدعياً ان خروجه من المؤتمر سيؤدي الى انهيار مباحثات المصالحة .

ولكن اتهامات عبد الله يوسف بوجود مؤامرة ضده اطرافها جيلى وريالى وصلاد , اثارت ردود فعل غلب عليها طابع السخرية والاشمئزاز .

فقد وصف سفير جيبوتي لدى كينيا الاتهامات بانها من احلام عبد الله يوسف مكتفياً بالقول ان الرجل مصاب بحب السلطة . وفي هرجيسا تساءل الكثير من الناس عما إذا كان عبد الله يوسف يتمتع بكامل قواه العقلية .

ولكن الكثير من المراقبين اشاروا الى ان الرجل قد يكون اصيب بالهلوسة بحيث وصل به الانحطاط الى اختراع روايات عن وجود مؤامرات ضده بغية تغطية فشله السياسي سواء في مؤتمر المصالحة بكينيا او الصدام مع ارض الصومال .

اما سفير اوغندا في كينيا فقد علق على اتهامات عبد الله يوسف قائلاً ان محادثات المصالحة لن تتأثر فيما لو غادر عبد الله يوسف المؤتمر مضيفاً ان عبد الله يوسف ليس سوى شخص واحد من ضمن 24 شخصية قيادية .

 

البيان الصحفي لبعثة الجامعة العربية لتقصي الحقائق في ارض الصومال

 

هرجيسا ( الهاتف العربي):-

 

بعثة الجامعة العربية لتقصي الحقائق التي زارت جمهورية ارض الصومال خلال الفترة من 19-25/12/2003 اصدرت في ختام زيارتها للبلاد بياناً صحفياً نورد لكم نصه الكامل ادناه :

بيــان صحــفي

 

تنفيذا لتوجيهات السيد عمرو موسى امين عام جامعة الدول العربية , قامت بعثة لتقصي الحقائق من الجامعة العربية خلال الفترة من 19-25/12/2003 بزيارة منطقة صوماليلاند برئاسة السيد سمير حسني مدير إدارة التعاون العربي الافريقي , والسيد عبد الله مبارك مساعد مبعوث الامين العام للصومال والسيدة شمس فارح رئيس قسم القرن الافريقي والسيد زيد الصبان عضو مكتب الامين العام .

تفقد الوفد الاوضاع في كل من مدينة هرجيسا وبوراما وبرعو والشيخ , حيث قابل المسؤولين هناك واطلع على الانشطة المختلفة التي تقوم بها المعاهد والمراكز والمؤسسات التعليمية والصحية والادارية .

التقى الوفد بالرئيس طاهر ريالى كاهن , والمسؤولين التنفيذيين والتشريعيين , بالاضافة الى قيادات الحزب الحاكم واحزاب المعارضة , وعددا من القيادات المدنية والهيئات الاهلية والمجتمع المدني . وقدر الوفد خلال زياراته التفقدية في كافة انحاء صوماليلاند توفر الامن والاستقرار والسلام في ربوع المنطقة بفضل الجهود الحثيثة المبذولة بسواعد ابنائها والنتائج الايجابية المثمرة لتنمية البنية التحتية والقدرات البشرية وتحقيق الوئام الاجتماعي وتقديم الخدمات العامة على مدار اكثر من عقد من الزمن .

 وأكد الوفد خلال لقاءاته على الموقف العربي من المسألة الصومالية والقائم على اهمية توفير افضل الشروط لمواصلة انعقاد مؤتمر المصالحة الوطنية الشاملة الجاري حالياً في كينيا , مذكراً بالجهود التي يبذلها السفير سالم الخصيبي مبعوث الامين العام للصومال في هذا الشأن , ومناشداً المجتمع الدولي مواصلة بذل الجهود لتحقيق الوحدة والمصالحة الصومالية الشاملة على اسس من العدل والمساواة ومراعاة المطالب المشروعة لجميع مكونات الشعب الصومالي والاستمرار في دعم الجهود التنموية التي تشهدها أي منطقة مستقرة , حتى يتمكن الصومال من القيام بدوره المأمول على الساحتين الاقليمية والدولية . كما اكد الوفد على استعداد منظومة الجامعة العربية بذل طاقاتها لدعم التنمية في صوماليلاند والمساهمة في سد الاحتياجات الاساسية لهذه المنطقة .

وادان وفد الجامعة العربية العمليات الارهابية الاخيرة التي وقعت في بورما والشيخ , واعتبرها محاولات دنيئة للنيل من الامن والسلم والاستقرار الذي تم بسطه منذ سنوات , ودعا المجتمع الدولي الى عدم الإلتفات الى هذه المحاولات وتقديم الدعم اللازم لهذه المنطقة ترسيخاً لدعائم الامن والاستقرار فيها .

وقد لمس الوفد خلال الزيارة الجهود التي تضطلع بها عدد من الدول العربية مثل مصر والكويت والسعودية والامارات واليمن وجيبوتي في مجالات كالتعليم والصحة وتشييد المعاهد الدينية والمساجد , ومن المعروف ان مصر قامت منذ سنوات بإيفاد بعثة تعليمية ضخمة قوامها 54 معلماً لدعم التعليم في المرحلة الثانوية .

كما قام الوفد بتسليم شحنة من الادوية المقدمة من الجامعة العربية الى مستشفيات هرجيسا تم ارسالها بواسطة مكتب منظمة الصحة العالمية في نيروبي . هذا , وقد ارسلت الجامعة العربية في وقت سابق هذا العام طبيباً مقيماً لمدة عام في احد المستشفيات في هرجيسا . وتتعاون الجامعة مع منظمة الصحة العالمية في تمويل وتنفيذ عدد من البرامج والانشطة لاعادة تأهيل وتدريب القطاع الصحي في الصومال .

وتبذل الجامعة العربية جهوداً ملموسة من الجهات المعنية وبالتعاون مع منظمات الامم المتحدة وبخاصة مكتب برنامج الامم المتحدة الانمائي للصومال لتامين رفع الحظر المفروض على تصدير الماشية الصومالية , وتنفيذ برنامج شامل لاعادة تأهيل البنية التحتية في كافة مجالات الثروة الحيوانية التي تمثل العصب الرئيسي والوحيد لاقتصاديات الصومال وذلك حتى يتمكن الصوماليون من تصدير ماشيتهم .

وسترفع بعثة تقصي الحقائق العربية تقريراً شاملاً عن مهمتها الى الامين العام للجامعة العربية تمهيداً لتعميمه على الدول العربية الاعضاء ومناقشته خلال اجتماعات مجلس الجامعة العربية القادم .

 

زيـارة وفـد الجـامـعة العــربية

 

يحلو للمتشائمين – وهم الاكثرية – ان يرودوا انه رغم الزيارة التي قامت بها مؤخراً الى البلاد بعثة لتقصي الحقائق من الجامعة العربية , فان الموقف العربي الرسمي تجاه جمهورية ارض الصومال سيظل ميئوساً منه .

وبالرغم من عدم إنكارنا للتزمت الذي يتسم به الموقف الذي تقفه دول الجامعة العربية من قضية إستقلال ارض الصومال , إلا انه في نفس الوقت لا يجوز ان نغفل المردودات الايجابية التي يمكن ان تسفر عنها هذه الزيارة التي تعتبر الاولى من نوعها .

اولاً من غير المعقول ان لا يتأثر اعضاء الوفد بما شاهدوه وسمعوه من حقائق على الارض خلال زيارتهم التفقدية لجميع انحاء ارض الصومال والتي استمرت لمدة 6 ايام .

فقد راى اعضاء الوفد بأم اعينهم كيف ان ارض الصومال بعد تعرضها لحرب مدمرة وحملات تنكيل ومجازر واسعة النطاق على يد الطاغية سياد بري , استطاعت إنتشال نفسها من تحت الانقاض لتبني بدون أي عون خارجي مؤسسات الدولة المستقلة التي يتمتع فيها المواطنون بكافة حقوقهم السياسية والمدنية تحت ظل اجواء ديمقراطية يسودها الامن والاستقرار . فلم يكن امام اعضاء البعثة بعد لمسهم لهذه الوقائع سوى الاقرار علنياً بالانجازات التي حققتها جمهورية ارض الصومال حيث عبر الوفد عن تقديره لـ " توفر الامن والاستقرار والسلام في ربوع المنطقة بفضل الجهود الحثيثة المبذولة بسواعد ابنائها" وذلك كما جاء في البيان الصحفي الذي اصدرته البعثة لدى اختتام زيارتها للبلاد .

اشادة وفد الجامعة لم تكن مقتصرة على ما حققته ارض الصومال فقط بل انه دعا ايضاً "المجتمع الدولي" تقديم الدعم اللازم لارض الصومال ترسيخاً لدعائم الامن والاستقرار فيها . ومن الملامح الايجابية الاخرى التي جاءت في البيان الاشارة الواضحة عن استعداد الجامعة العربية بذل طاقاتها لدعم جهود التنمية في صوماليلاند والمساهمة في سد الاحتياجات الاساسية لهذه المنطقة . وطبعاً من الجائز ان لا تفي الجامعة العربية بوعودها في نطاق موضوع المساعدات . فالدول العربية الغنية المانحة كثيراً ما تتهرب عن تعهداتها للدول العربية الفقيرة .

ومن جانب آخر , كانت الزيارة فرصة لكي يتمكن فيها مسئولي الجامعة الاطلاع عن كثف على مدى تأييد الشعب هنا لقضية الاستقلال . وفي المقابل استطاعت ارض الصومال من خلال هذه الزيارة , ابلاغ الجامعة العربية عن حقيقة مشاعرها , حكومة وشعباً , المؤيدة للاستقلال ورغبتها العميقة في البقاء كدولة ذات سيادة مهما كلف الامر .

ولهذا الغرض عقد الوفد خلال زيارته لارض الصومال سلسلة من اللقاءات المطولة مع قادة البلاد ابتداءً من رئيس الجمهورية طاهر ريالى كاهن واعضاء مجلسه الوزاري ومروراً باعضاء مجلس النواب والشيوخ وقادة الحزب الحاكم والاحزاب المعارضة وحتى ممثلي الهيئات الاهلية والعديد من قيادات المجتمع المدني .

ومن المؤكد ان هذه اللقاءات قد ازالت اية شكوك او التباس كان لا يزال عالقاً في ذهن اعضاء البعثة قبل وصولهم الى ارض الصومال حول مدى إتساع التأييد لمسألة الاستقلال او الانسحاب من الوحدة التي تمت في 1960 بين المستعمرة البريطانية السابقة ( ارض الصومال) والقطر الصومالي الذي كانت تستعمره ايطاليا .

ومن المتوقع ان يكون الانطباع الذي سيأخذونه الى القاهرة هو ان قضية الاستقلال تعتبر بالنسبة للغالبية العظمى من شعب ارض الصومال مسألة حياة او موت وان اية محاولات خارجية في المستقبل لاجبار ارض الصومال بالعودة عن قرارها سيلقى مقاومة عنيفة مما سيؤدي الى اطالة امد الصراع بين القطرين الصوماليين على حساب المصالح العربية المشروعة في منطقة جنوب البحر الاحمر والقرن الافريقي .

ومن المستبعد ان تتخلى الجامعة العربية في المستقبل القريب عن موقفها المتشنج الرافض لقيام دولة ارض الصومال .

ولكننا نأمل من السيد سمير حسني واعضاء بعثته ان ينقلوا بكل امانة وجدية الى مرءوسيهم في الجامعة العربية مطالب شعب ارض الصومال في العيش بسلام وطمأنينة تحت ظل كيانه المستقل .

 

عمـدة جــديد لمديـنة بـربـره

 

بربره ( الهاتف العربي):-

قرر اعضاء مجلس بلدية بربره عزل عمدة المدينة الحالي عبد الله محمد علي عن منصبه يوم امس .

واختار المجلس باغلبية الاصوات عبدي جامع دعاله الملقب بعبدي مسمار كعمدة جديد لمدينة بربره الساحلية , وكان مجلس البلدية التابع لمدينة بربره قد افتتح اجتماعاته الدورية التاسعة يوم امس .

 

الفصائل الصومالية ترغب في نقل مؤتمر المصالحة من نيروبي للداخل

 

مقديشو : محيط : 27 - ديسمبر – 2003 أعرب محمد عمر طيري أحد أبرز زعماء الفصائل الصومالية الموالين لإثيوبيا عن تأييده لعقد المراحل الأخيرة من مؤتمر المصالحة الصومالية داخل الصومال . ونقلت جريدة الخليج الاماراتية عن طيري قوله انه يبحث الآن بعد العودة من نيروبي عن مكان أفضل داخل البلاد لمواصلة المرحلة الثالثة والأخيرة من المصالحة بعد أن حققت المرحلتان الأولى والثانية اللتان استضافتهما كينيا نجاحا كبيرا حسب تعبيره.

 

يناقشه وزراء الخارجيه العرب في مارس المقبل

 

تقرير لموسي حول مهمه بعثه الجامعه في منطقه صومالي لاند

الاهرام:

كتب عاطف صقر

يتلقي السيد عمرو موسي الامين العام للجامعه العربيه‏,‏ تقريرا شاملا عن مهمه بعثه تقصي الحقائق التي زارت منطقه صومالي لاند‏,‏ التي كانت قد اعلنت انفصالها عن الصومال‏,‏ الا انه لم تعترف بها اي دوله‏,‏ وسيتم توزيع التقرير علي الدول العربيه ومناقشته خلال الاجتماع المقبل لوزراء الخارجيه العرب في مارس العام الجديد‏.‏ وصرح السيد سمير حسني مدير اداره افريقيا بالجامعه العربيه ورئيس البعثه‏,‏ بان البعثه اكدت الموقف العربي من المساله الصوماليه‏,‏ والقائم علي اهميه توفير افضل الشروط لمواصله انعقاد مؤتمر المصالحه الوطنيه الشامله‏,‏ وهو المؤتمر المنعقد في كينيا‏,‏ ونوهت البعثه الي اهميه تحقيق الوحده والمصالحه الصوماليه علي اسس من العدل والمساواه‏,‏ ومراعاه المطالب المشروعه لجميع مكونات الشعب الصومالي‏,‏ والاستمرار في دعم جهود التنميه في اي منطقه مستقره‏,‏ واعربت عن استعداد الجامعه العربيه لبذل طاقاتها لدعم التنميه في صومالي لاند والمساهمه في سد الاحتياجات الاساسيه لهذه المنطقه‏.‏ وقال ان البعثه التقت بالرئيس طاهر كاهن والمسئولين التنفيذيين والتشريعيين في صومالي لاند‏,‏ وقيادات الحزب الحاكم والمعارضه‏,‏ وعدد من القيادات المدنيه والهيئات الاهليه والمجتمع المدني‏.‏ وذكر ان البعثه اعربت عن تقديرها‏,‏ خلال زياراتها التفقديه في جميع انحاء صومالي لاند لمده اسبوع‏,‏ لتوفر الامن والسلام والاستقرار‏,‏ بسبب الجهود المبذوله في هذا الصدد وتنميه البنيه التحتيه وتحقيق الوئام الاجتماعي‏,‏ وتقديم الخدمات العامه علي مدي اكثر من عقد‏,‏ منذ بدايه التسعينيات‏,‏ ودعت الجامعه العربيه المجتمع الدولي‏,‏ الي تقديم الدعم اللازم لهذه المنطقه‏,‏ ترسيخا لدعائم الامن والاستقرار فيها‏.‏

كما نوه بيان صحفي صادر عن الجامعه‏,‏ الي ان البعثه سلمت شحنه من الادويه المقدمه من الجامعه العربيه الي مستشفيات هرجيسا‏(‏ عاصمه صومالي لاند‏),‏ حيث تم ارسالها بواسطه مكتب منظمه الصحه العالميه في نيروبي‏,‏ في اطار تعاون الجامعه مع منظمه الصحه العالميه في تمويل وتنفيذ عدد من البرامج والانشطه لاعاده تاهيل وتدريب القطاع الصحي في الصومال‏.‏

 

الاخبــار العالميــة

 

قتلى في مظاهرة بكركوك

مقتل خمسة وجرح العشرات في انفجار ببغداد

 

خلف انفجار قوي بمطعم ببغداد كان مكتظا بالمحتفلين بالعام الجديد خمسة قتلى على الأقل وعشرات الجرحى من بينهم أميركي وبريطانيان.

وتشتبه الشرطة العراقية بأن تكون سيارة مفخخة وراء الانفجار الذي حدث في مطعم نبيل الواقع في واحد من أشهر الأحياء التجارية في بغداد ويرتاده عادة الأثرياء العراقيون والأجانب.

وقد دمر الانفجار مبنى المطعم إضافة إلى منزل قريب واشتعلت النار في المبنى. وقال شهود عيان إن عشرات الأشخاص كانوا بداخل المطعم عندما حدث الانفجار.

وأوضحت مصادر طبية بمستشفى ابن النفيس القريب أن أكثر من 20 شخصا أصيبوا بجراح من بينهم سبعة في حالة خطرة. وقال شهود عيان إن الجرحي الأجانب هم صحفيون غربيون.

وقد حلقت طائرات قوات الاحتلال الأميركي في سماء المنطقة وهرعت سيارات الإسعاف إلى موقع الانفجار فيما يبحث أفراد من القوات الأميركية ورجال إنقاذ عراقيون بين الأنقاض بحثا عن ناجين.

وكانت قوات الأمن المدعومة من جانب الولايات المتحدة قد عززت دورياتها في العاصمة بسبب المخاوف من أن يختار عناصر المقاومة فترة بداية العام الجديد لشن عمليات ضد قوات الاحتلال.

وفي تطور آخر انفجرت عبوة ناسفة في أحد شوارع وسط العاصمة العراقية عشية رأس السنة الجديدة، مما أدى إلى إصابة ثلاثة مدنيين عراقيين بجروح.

وقال عباس حسن الرقيب في الشرطة العراقية إن العبوة وضعت بشكل خفي أمام أحد المطاعم في منطقة الحارثية، وفور وقوع الانفجار طوقت قوات الاحتلال الأميركية المكان ومنعت من الاقتراب منه.

كما أصيب خمسة جنود أميركيين بجروح وأصيب مثلهم من قوات الدفاع المدني العراقي لدى انفجار سيارة مفخخة عند مرور قافلة من الآليات العسكرية الأميركية بشارع في بغداد. وقال ضابط في الشرطة العراقية إن الهجوم أسفر عن تدمير سيارة همفي أميركية، كما أودى بحياة صبي عراقي وجرح 11 آخرين.

قتلى في كركوك

وفي كركوك قتل خمسة عراقيين وأصيب 24 آخرون بجروح بعد إطلاق نار على مظاهرة للعرب والتركمان بمدينة كركوك شمالي العراق.

ولا يعلم على وجه التأكيد من الذي أطلق النار على المتظاهرين، لكن أنباء تحدثت عن أن النيران جاءت من مليشيات الاتحاد الوطني الكردستاني (البشمرغة)، إلا أن مسؤولا في الحزب الكردي أصر على أن مصدر الطلقات كان من داخل المظاهرة.

وقال العقيد سالم طالب طاهر من شرطة المدينة إن المتظاهرين كانوا قد تجمعوا أمام المكاتب الحكومية احتجاجا على اقتراح بضم كركوك للفيدرالية الكردية عندما فتح البشمرغة المتمركزين في المنطقة النار على المحتجين.

وقال مراسل الجزيرة في كركوك إن قوات الاحتلال الأميركي سمحت بتقدم المظاهرة إلى مبنى المحافظة بعدما كانت قد منعتها.

وشارك في المظاهرة نحو خمسة آلاف شخص من العرب والتركمان المطالبين ببقاء كركوك تحت سيطرة الحكومة المركزية وعدم دمجها في الفيدرالية الكردية المقترحة. ومن بين الهتافات التي رددوها "كركوك مدينة عراقية"، و"تسقط الاتحادية".

وأعرب رئيس مجلس الحكم الانتقالي في العراق عبد العزيز الحكيم الذي انتهت فترة رئاسته بنهاية يوم أمس عن أسفه لتطورات الأحداث في كركوك، مشيرا إلى أن مجلس الحكم لم يتوصل إلى رؤية محددة في الأحداث، ودعا إلى تطويقها.

وفي تصريح خاص بالجزيرة أكد الحكيم أن قضية كركوك قد أحيلت إلى لجنة متخصصة في المجلس لبحثها بشكل يرضي جميع الأطراف. وشدد على أن قضية الفيدرالية مقبولة من حيث المبدأ لكنها ينبغي أن تكون فيدرالية لكل الشعب العراقي.

نقل السلطة للعراقيين

من جانب آخر قال عضو المجلس إبراهيم الجعفري إن مجلس الحكم يريد أن يكون للأمم المتحدة دور خلال الفترة الانتقالية التي تنتهي عندما ينقل التحالف السلطة إلى العراقيين بحلول نهاية يونيو/ حزيران المقبل.

ومن المقرر أن يتوجه وفد برئاسة الرئيس الجديد لمجلس الحكم عدنان الباجه جي إلى نيويورك يوم 19 يناير/ كانون الثاني للقاء الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وليطلب منه إرسال مندوب لبحث إمكانية إجراء انتخابات فورية.

وأضاف الجعفري ردا على سؤال عن مدى قبول التحالف بمشاركة المنظمة الدولية في إدارة العراق "نحن لا نطلب المستحيل.. الأمم المتحدة مظلة تضم جميع الدول ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا".

يذكر أنه بمقتضى الاتفاق بين المجلس والتحالف سيتم تشكيل برلمان انتقالي في مايو/ أيار القادم، غير أن الانتخابات العامة لن تجرى قبل عام 2005.

المصدر :الجزيرة + وكالات

 

تواصل أعمال الإغاثة لليوم الخامس

 

خاتمي ينفي أن يكون الزلزال ناجما عن تجربة نووية

 

رفض الرئيس الإيراني محمد خاتمي ما تردد من شائعات بأن الزلزال الذي وقع في مدينة بم جنوب البلاد يوم 26 من الشهر الجاري ناتج عن تجربة نووية.

وقال خاتمي لدى تفقده المناطق المنكوبة "لقد ازدهرت هذه الشائعات لكنها عارية عن الصحة"، ونقلت عنه الصحف الإيرانية قوله "لا يوجد أي مكان للأسلحة النووية بين مبادئنا الدينية ولا إستراتيجيتنا الأمنية والدفاعية".

وكان خاتمي أبدى ترحيبا كبيرا بالمساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة للمتضررين من الزلزال، لكنه شدد على أنها لن تغير من العلاقة المتوترة بين البلدين. وأكد وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي أنه سيلتقي الوفد الأميركي الموجود في إيران ضمن إطار مساعدة المنكوبين من الزلزال.

ووصل إلى مدينة بم فريق يضم 20 أميركيا للمشاركة في عمليات إغاثة الناجين من الزلزال.

وفي وقت لاحق اليوم ضربت هزة أرضية بقوة 4.3 درجات على مقياس ريختر مدينة بهلة في محافظة إيلام جنوبي غربي إيران. ولم يسجل وقوع ضحايا أو أضرار.

أوضاع صعبة

وبعد أيام على زلزال بم الذي خلف ما بين 40 إلى 50 ألف شخص حسب بعض التقديرات، بدأت وسائل الإعلام تسلط الأضواء على الظروف الصعبة التي يعيشها الناجون من الزلزال بسبب البرد القارس واحتمال انتشار الأوبئة.

فبينما تكدس آلاف الناجين في الخيام التي نصبها الصليب الأحمر لهم وسط الأنقاض، غطت الثلوج والضباب مدينة كرمان التي تعتبر الممر الرئيسي للمساعدات الإيرانية والدولية مما أخر بعض الرحلات الجوية التي تنقل المساعدات.

وقالت مصادر مسؤولة في الهلال الأحمر إنه ستوزع بطاقات هوية مؤقتة في الخيام التي لجأ إليها الناجون، فيما أكدت وزارة الصحة ضرورة تأمين ألفي مكان للاستحمام و15 ألف حمام في ظل تدهور الأوضاع الصحية وخشية انتشار الأوبئة.

وتواصلت عملية تدفق المساعدات الدولية حيث نقلت 129 طائرة أجنبية من 40 دولة تجهيزات لتوفير الإقامة للناجين. ويشارك 1700 مسعف أجنبي في عمليات الإغاثة.

وأثناء ذلك تواصلت عمليات إزالة الأنقاض وسط تضاؤل الآمال في العثور على ناجين جدد، وعثر على 75 جثة جديدة بينها جثة سائح بريطاني.

وأعلنت السلطات الإيرانية عن انتشال قرابة 30 ألف جثة من تحت الأنقاض حتى الآن، لكن هناك توقعات بارتفاع عدد الضحايا. وقد لا يعرف عدد القتلى النهائي على وجه التحديد حيث قتلت أسر بأكملها ولا يوجد من أفرادها من قد يبلغ عن فقدانها.

وقال مدير شرطة بم علي شافعي إن عمليات البحث شملت 60% من الأنقاض، وإن بعض العائلات قضت بكامل أفرادها.

وتمكنت فرق الإنقاذ أمس من انتشال خمسة أحياء من بين الأنقاض بينهم رضيع في شهره الرابع، وطفلة في الثانية عشرة من عمرها كانت في مطبخ المنزل العائلي عندما وقع الزلزال مما سمح لها بإيجاد الأغذية للاستمرار على قيد الحياة.

المصدر :الجزيرة + وكالات

 

الخوف والرعب يسيطران على الاحتفالات برأس السنة

 

فرضت أجواء الخوف والرعب من وقوع ما يسمى الهجمات الإرهابية نفسها على الاحتفالات برأس السنة الميلادية الجديدة في معظم عواصم ومدن العالم.

وجابت طائرات حربية سماء الولايات المتحدة وفرضت السلطات الأميركية التي قالت إنها تخشى من شن هجوم أشد من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول قيودا على الطيران فوق لاس فيجاس ونيويورك حيث ينتظر أن يحتشد أكثر من مليون شخص لحضور أضخم احتفالين يقاما في الشوارع في الولايات المتحدة بمناسبة العام الجديد.

ووضعت الطائرات الحربية في حالة تأهب قصوى لاعتراض أي طائرة منحرفة عن مسارها، وفي باسادينا بولاية كاليفورنيا حيث سيحضر آلاف الأشخاص مباراة لكرة القدم الأميركية بمناسبة العام الجديد ستستخدم الشرطة أجهزة استشعار إلكترونية لرصد أي هجوم بيولوجي.

وقال وزير الأمن الداخلي الأميركي توم ريدج "لن يقتصر الأمر على قيود جوية مؤقتة على مدن لكن ستكون لدينا طائرات تقوم بدوريات في الأجواء وفي حالة تأهب"، كما وضعت بعض شركات الطيران العالمية استجابة لتحذير أميركي من هجوم محتمل حراسا مسلحين على رحلات الطيران، وفرضت مدن من روما إلى نيويورك قيودا على الطيران وعززت المطارات الإجراءات الأمنية.

وفي بريطانيا الحليف الرئيسي للولايات المتحدة قالت الشرطة إنها في حالة تأهب قصوى، غير أنها أوضحت أنها لا ترى تهديدا محددا في الأيام القادمة، فيما قالت الشرطة في جاكرتا إنها تخشى من احتمال أن يشن من وصفتهم بالمتشددين الإسلاميين هجمات على الاحتفالات بالعام الجديد.

وبالرغم من التشديدات الأمنية فإنه يتوقع أن يحتشد نحو مليون شخص في سيدني لمشاهدة عرض الألعاب النارية السنوي الشهير الذي يقام في المرفأ، ولتدارك وقوع هجمات انتشر عدد كبير من عناصر الشرطة بين المواطنين باللباس المدني وكذلك الحال بالنسبة لخبراء المتفجرات ودوريات بصحبة كلاب مدربة، فيما نشرت عناصر أمن على سطوح عدد من المباني، ونظمت كذلك دوريات في زوارق تجوب الخليج أو مروحيات.

وأما في الفلبين فقد عكر بهجةَ رأس السنة، اندلاعُ حريق عرضي ناجم عن انفجار مفرقعات نارية في أحد الأسواق، أسفر عن مقتل 15 شخصا فيما لا يزال 22 شخصا في عداد المفقودين.

وفي السودان أعلنت الشرطة أنها ستضاعف انتشارها الأمني في شوارع العاصمة الخرطوم، وذلك منعا لتكرار ما وقع العام الماضي من أحداث شغب خلال الاحتفالات برأس السنة.

المصدر :الجزيرة + وكالات

 

قطر تكشف عن وساطتها في العراق وليبيا والسودان

 

 

كشف النائب الأول لرئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني عبر برنامج بلا حدود الذي بثته قناة الجزيرة أمس عن طبيعة الدور الذي قامت به بلاده لتفادي الحرب على العراق.

وأوضح الوزير القطري أنه أبلغ الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين لدى لقائه به في بغداد لآخر مرة قبل الغزو بصراحة بأن رأسه (أي صدام ) هو المطلوب وعليه أن يتخذ قرارا واحدا صائبا. وأضاف "وقلت له إنني مبعوث لأطلب منك ضرورة التنحي عن السلطة وأن الحرب واقعة والولايات المتحدة جادة في ذلك".

وأشار الشيخ حمد بن جاسم إلى أنه خلال اللقاء الذي استمر ساعتين تسائل صدام بهدوء ومرارة بأنه يتفهم منح الكويت تسهيلات للأميركيين لشن هجوم على بلاده كونه قام بغزوها، ولكن لماذا تمنح قطر تلك التسهيلات؟. فأجابه الوزير القطري أن لقطر اتفاقات أمنية والتزامات مع الولايات المتحدة وأن الدوحة تحترم تلك التعهدات.

ونفى الوزير القطري أن يكون صدام قد غضب منه وطلب منه المغادرة، مشيرا إلى أن استمع بإنصات ودون ملاحظات. كما نفى أن يكون قد عرض عليه اللجوء، لكنه أوضح أنه عرض عليه الفكرة.

وقال إن صدام تحدث معه بشأن المصالح وعرض تقديم تنازلات بشأن النفط. وبين الشيخ حمد بن جاسم أنه لم يتوقع قبول صدام بالعرض الذي قدمه بشكل مباشر ولكن توقع أن يتنحى عن السلطة في وقت لاحق أو ينظم انتخابات حرة تحت إشراف الأمم المتحدة بما يحفظ له ترك السلطة بشكل لائق.

وبشأن وجود القوات الأجنبية في العراق قال الوزير القطري إن الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق قنن دوليا بقرارات من مجلس الأمن. وأكد أن عدم وجود تلك القوات في القوت الحالي يضر به كثيرا وربما يتحول إلى دولة مثل الصومال أو ما يشبه لبنان.

كما دعا العراقيين إلى الالتفاف حول مستقبل بلادهم وتساءل عن جدوى مقاومة الاحتلال إذا كان خروجه سيحل الفوضى في العراق في الوقت الحالي، مؤكدا أن المقاومة لن تسرع بإخراج الأميركيين من العراق.

وأشار إلى أن بعض الأهداف الإستراتيجية تحققت بغزو العراق ، "فأولا صدام غير موجود وثانيا الأسلحة غير موجودة وثالثا محاولة جعل العراق نموذجا للديمقراطية في المنطقة".

ليبيا والسودان

وكشف الوزير القطري النقاب عن الوساطة التي قامت بها قطر بين ليبيا من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى في سبيل تخلي طرابلس عن برامج تسلحها، موضحا أن هذا الدور لم يكن أساسيا وبدأ أوائل عام 2003. ووصف الوزير قرار الزعيم الليبي معمر القذافي بأنه كان حكيما.

كما كشف عن دور الدوحة في تقريب وجهات النظر بين الخرطوم وواشنطن بعد تخوف قطر من تقسيم السودان في ضوء الخلافات العربية معربا عن سعادته بقرب التوصل إلى اتفاق سلام في السودان.

وعن العلاقة مع إسرائيل أوضح الوزير القطري أن علاقة الدوحة مع تل أبيب لا تتعدى وجود مكتب تجاري شبه مجمد، كما أن هناك اتصالات تجريها قطر مع المسؤولين الإسرائيليين تعلن لوسائل الإعلام، مؤكدا أنها تتم لتقريب وجهات النظر بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

المصدر :الجزيرة

 

بلخادم يدعو إلى مؤتمر تصحيحي للخروج من الأزمة

أحزاب وشخصيات جزائرية ترفض تجميد جبهة التحرير

 

رفضت أحزاب وشخصيات جزائرية الحكم القضائي الذي يجمد نشاط حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية وأرصدته. وطالب بعضهم بإقالة وزير الداخلية.

واعتبر علي بن فليس الأمين العام للحزب الحكم عنفا قضائيا, وامتدح المؤسسة العسكرية التي أعلنت التزامها بالحياد في الانتخابات المقبلة.

وكان بن فليس توعد أمس باستعمال كل الوسائل القانونية للدفاع عن موقفه والبقاء على رأس الحزب ومواجهة خصومه الموالين لرئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة. وأكد أنه سيبقى مرشحا لانتخابات الرئاسة.

من جانبه اعتبر علي بلحاج الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، ما وقع لجبهة التحرير الوطني ظلما. ودعا وزير الخارجية الجزائري الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي إلى تحرك كافة القوى السياسية لقطع الطريق أمام هذه التصرفات.

ووصف عبد الله جاب الله رئيس حركة الإصلاح الوطني القرار القضائي بأنه سابقة خطيرة، أما التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة رئيس الوزراء أحمد أويحيى، فأعلن احترامه لقوانين الجمهورية.

دعوة للوفاق

وجاء قرار حظر أنشطة جبهة التحرير ليسلط الضوء من جديد على الأزمة السياسية التي يعيشها الحزب الحاكم مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية.

ودعا وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم المنسق "للحركة التصحيحية" في جبهة التحرير الوطني في مؤتمر صحفي بالجزائر اليوم الأمين العام علي بن فليس إلى عقد مؤتمر جامع للحزب يضم الجناحين المتنازعين لإخراج جبهة التحرير من الأزمة التي تعيشها بعد قرار تجميد نشاطات الحزب.

وقال بلخادم إن الحركة التي يتزعمها لا تمانع أن ينضم بن فليس إلى المؤتمر "التصحيحي" الذي يعيد الحزب إلى النشاط مشترطا أن يتم ذلك بالطرق الديمقراطية وانتخاب المندوبين من قبل القاعدة النضالية ومشاركة الجميع دون إقصاء.

وشدد بلخادم على أن حكم العدالة لم يجمد الحزب وإنما جمد هيئاته المنبثقة عن المؤتمر الثامن المطعون في شرعيته بسبب "خرق القانون من قبل الأمين العام وقيادته" ودعاه إلى تصحيح الوضع وإلا فإن الحركة التصحيحية ماضية في طريق عقد مؤتمرها في الأسابيع القليلة القادمة.

المصدر :الجزيرة + الفرنسي

 

الاتحاد الأفريقي يوقع معاهدة أمنية

تتيح له التدخل العسكري في النزاعات الوطنية

 

وقع الاتحاد الأفريقي معاهدة أمنية تتيح له تشكيل سلطة للتدخل العسكري في الصراعات الوطنية في القارة المضطربة.

وحصلت المعاهدة على الأغلبية مؤخرا عندما أصبحت نيجيريا العضو رقم 27 الذي يصدق على المعاهدة.

وكان أعضاء الاتحاد الأفريقي البالغ عددهم 53 دولة صدقوا على المعاهدة خلال القمة التي عقدت في يوليو/ تموز 2002 إلا أن دخولها حيز التنفيذ كان يحتاج إلى تصديق أغلبية عليها.

وتنص المعاهدة على تأسيس مجلس للسلم والأمن ينظر إليه على أنه خطوة مهمة نحو تعزيز دور الاتحاد الأفريقي الذي حل محل منظمة الوحدة الأفريقية في مواجهة الحروب التي تعوق النمو الاقتصادي في القارة.

وبموجب المعاهدة يمكن أن يشكل الاتحاد الأفريقي قوة أفريقية من الدول الأعضاء واستخدامها في منع الصراعات أو استعادة السلام أو التدخل لوقف جرائم الحرب.

إلا أن هذا المجلس سيحتاج أيضا إلى الاعتماد بشدة على أعضائه لتمويل أنشطة القوة.

وسيتولى مجلس السلم والأمن أيضا سياسة الاتحاد الأفريقي فيما يتعلق بالدفاع والأمن في مواجهة تهديدات مشتركة بما في ذلك الهجمات الإرهابية والعدوان الخارجي والتدخل.

وقال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ألفا عمر كوناري في بيان إن الاتحاد سيدشن في العام الجديدة خطة إستراتيجية مدتها أربع سنوات لتحويل القارة المضطربة إلى ملاذ للسلام وحسن الإدارة وسيادة القانون.

وقال كوناري "رغم أن بارقة الأمل خافتة إلا أنها مهمة ولابد أن نحافظ عليها لأن معظم الصراعات في القارة بدأت حدتها تهدأ".

وكان مسؤولون أفارقة في أوائل هذا العام اتفقوا على إطار لتشكيل قوة للتدخل في الحروب في دول مختلفة من ليبيريا إلى السودان والكونغو الديمقراطية. ولكن بعد التصديق على المعاهدة فإن هذه القوة قد تكتسب تفويضا واضحا.

المصدر :رويترز

 

عصر التوافق.. بيان من أجل نظام عالمي جديد

 

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز

عصر الرشد أو التوافق بالنسبة لجورج مونبيوت الكاتب والأكاديمي والناشط البريطاني, مؤلف هذا الكتاب ذي الطرح الجذري, هو المآل الإنساني الوحيد لبشرية معذبة مزقتها صراعات القوة والسيطرة وجشع الأغنياء الذي خلق طبقية عالمية بدت وكأنها قدر مقدور.

 

 

وهو عصر خلاص البشرية من الاستغلال البيني, حيث يجب أن تنتهي وللأبد ثنائية المستغل (بكسر الغين) والمستغل (بفتحها). هذا العصر "المنشود" هو عصر تساوي الشعوب والدول ومعاملة مصالح الجميع على قدم المساواة.

هو العصر أو المشروع الحقيقي الذي يستحق النضال لأجله, وهو الجوهر الإنساني لأي جهد مخلص يريد الوصول إلى مستقبل أكثر عدلاً ومساواة. تفاصيل هذا "العصر الحلم" وآليات تحقيقه على أرض الواقع هي -بإيجاز مبتسر- ما يريد أن يستعرضه ويدافع عنه بحرارة.

مونبيوت يجادل لصالح نظام عالمي جديد يختلف جذرياً عن الذي نراه، عالم سيراه واقعيو الوضع القائم مثالياً وطوباويا وحالماً, لكن مونبيوت يراه متحققاً وممكن التطبيق, وإن كان يحتاج إلى جهود جبارة وخارقة وربما دموية لإحلاله. قبل عصر الرشد مرت البشرية بعصرين آخرين: الأول هو عصر الإكراه, عصر الاستعمار والاستغلال المباشر ونهب الثروات وإكراه شعوب ومجتمعات على أن تقر بأنها أقل درجة من شعوب ومجتمعات أخرى, وأنها محكومة من فوق.. من قبل المركز المتروبولي الذي يفرض عليها ما تريد.

انتهى ذلك العصر بوحشيته المباشرة, لكنه ولد عصراً ثانياً هو عصر التمرد الذي تعيشه البشرية حالياً, عصر انقسم فيه العالم إلى ملاك قوة باطشة ومتمردين ضدها. الغرب الاستعماري القديم لم يتخل عن سياساته وإستراتيجياته القائمة على استغلال الآخرين, بل أعاد إنتاجها بشكل غير مباشر وظل يتحكم ببوصلة البشرية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً.

على هوامش السيطرة نمت جمهرات التمرد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار, وأخذت تعبيرات متنوعة بعضها متطرف وبعضها معتدل.. بعضها يعمل من داخل "النظام" وبعضها من خارجه. لكن الصورة الإجمالية ظلت تشير إلى مركز وأطراف, القوة الغربية هي الأصل والتمرد هو الهوامش.

ما يريده مونبيوت هو التمرد على عصر التمرد, ونقض تلك الصورة وتسوية المركز بالأطراف, والانتهاء من كل تراتبيات القوة والتحكم، والتساوي إنسانياً ومصلحياً والولوج إلى عتبة الرشد الجماعي.

مونبيوت يكتب بمرارة عن واقع العالم الراهن حيث يغلب فيه الظلم على العدل, إذ ليس هناك كبير حاجة إلى تعداد الأدلة والشواهد.

تكفي الإشارة إلى فداحة تفاوت توزيع الثروات, وتمركز الرفاه والقوة في قبضة خمس العالم على حساب أربعة أخماس تتخبط في الفاقة والضعف. وهو واقع ناتج -في تقدير مجمل- عن ثلاثة قرون من تغطرس القوة الباطشة وقيادتها لمصائر البشرية، ونهبها لكل ما وقعت عليه من ثروات الآخرين. بعد الحربين الأولى والثانية في القرن العشرين صاغ جزء من القوة الباطشة شكل العالم وفق نتائج انتصاراته على الجزء الآخر من نفس القوة.

مجلس أمن العالم

قام مجلس الأمن لسوس عالم ما بعد الحرب وفق بوصلة المنتصرين, وتأسست مؤسسات مالية دولية لإدارة ثروات الأرض وفق مصالح المنتصرين، وخلق واقع ونظام دولي متماسك تحرسه القوة ولو على حساب قيم العدل. أحل النظام الجديد سلاماً في داخل أنظمة القوة الباطشة نفسها, ونجح في تحييد الحرب فيما بينها, وصدرها إلى خارج فضائه.

صار "فردوساً داخلياً" مقارنة بما كان عليه, صار فيه حرية فردية وديمقراطية وعدل داخلي وتطورت فيه مجتمعات رعاية اجتماعية أصبح الوصول إلى شكلها حلماً -ولو بعيد المنال- لكل مجتمعات الأرض.

أما وراء حدود ذلك الفردوس فكان الجحيم, تزايد افتراق الفردوس والجحيم عن بعضهما بعضا في ظل نظام عالمي مختل في كل شيء حتى في اسمه: نظام عالمي لا يخدم العالم بل يخدم أقليته الحاكمة وشعوبه المتمترسة خلف قلاع القوة والمال التي أنشأها النظام.

يرى مونبيوت أن عولمة الديمقراطية هي المدخل لعالم التوافق وعصره. وللوصول إلى عالم ديمقراطي يرى أن الآلية الأسرع والأكثر فعالية والمتوفرة بين أيدينا هي العولمة! ولذا "فالنضال" يجب أن لا يكون بهدف إسقاط هذه العولمة, وإنما باتجاه السيطرة عليها والتحكم فيها وتحويلها إلى الوسيلة التي تتم من خلالها "أول ثورة ديمقراطية على مستوى العالم" بحسب قوله.

يريد مونبيوت أن يستخدم ما توصلت إليه الرأسمالية العالمية من أدوات وآليات للصراع ضدها وتفكيكها, بيد أن أخطر ما يطرحه مونبيوت هو الخلاصة التي ينتهي إليها في مناقشته للتغير الديمقراطي المعولم, وهو أنه لا يمكن أن يحدث أي تغيير على أي مستوى محلي ما لم يحدث التغيير المعولم. وهذا الاشتراط بحدوث التغيير على المستوى الكوني الصعب لحدوث أي تغيير محلي قطري يريح أنظمة الاستبداد ويقدم لها عذراً عبقرياً للاسترخاء وعدم الانصياع لضرورة تفكيك الاستبداد بكونه مربوطا بشكل العالم الراهن.

مونبيوت ضد الارتداد للمحلية Localization لأنه يعتبرها ذات نهاية انغلاقية واضحة, رغم أنها صادرة عن دعوات ناقمة على العولمة الراهنة وإكراهاتها ضد الدول والمجتمعات الضعيفة. ولابد من التماهي عبر الحدود في عصر الرشد والانفتاح المطلق, لكن بشروط وهيئة جديدة.

البرلمان العالمي

مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وسائر أشكال النظام الدولي المتولد عن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية, والمعبرة عن مصالح دول التحالف المنتصرة, لم تعد تعكس وضع العالم اليوم، لهذا يجب تغييرها جذرياً وعملياً. وهنا لا يقف مونبيوت عند التنظير الإجمالي وإنما ينخرط في التفاصيل.

ففي عصر الرشد تتساوى إرادات البشر ومصالحها وتختلف أشكال التعبير عن تلك الإرادة العالمية, فمجلس الأمن الحالي والجمعية العمومية للأمم المتحدة -المجردة من أي سلطة حقيقية- يغيب عنها تساوي الإرادات، وجاء الوقت للانتهاء من تراتبية القوة المتجوهرة فيهما.

ما يطرحه مونبيوت كبديل هو برلمان عالمي أساسه البشر وليس الدول. برلمان ذو مجالس ثلاثة تعبر عن إرادة الشعوب والناس مباشرة: المجلس الأول هو "مجلس الشعوب" وينتخب فيه البشر ممثليهم مباشرة من دون واسطة الدولة, رغم أنها ستظل موجودة. ويقترح مونبيوت 600 عضو لهذا المجلس, كل منهم يمثل 15 مليوناً من الناس.

يقول مونبيوت إن هذا هو الشكل الوحيد الذي ينهي السؤال الأزلي عن السلطة والمحاسبة: من يحرس الحرس. فمجلس الأمن الحالي ليس هناك من يحرسه أو يحاسبه, وكل سلطة مثيلة ليس هناك من يخضعها إن هي جمحت وطغت. في البرلمان العالمي البشر هم السلطة الحارسة وليس غيرهم.

أما المجلس الثاني فهو "مجلس الأمم/الدول", وهو مجلس معين. أما المجلس الثالث فهو مجلس المستشارين, والهدف منه تقديم أقصى ما يمكن من خير ومنفعة للبشرية من قبل علماء ومفكرين وغيرهم.

ويفصل مونبيوت كيفية إجراء الانتخابات العالمية بل ويقدر ميزانياتها.. خمسة مليارات دولار, ويفند الاتهامات الساخرة إزاءها ويجادل النقد الجدي لها, خاصة لجهة التخوف من أن المجتمعات ذات الكثافة السكانية العالية كالصين والهند ستصبح هي المسيطرة فعليا ورقمياً على برلمان كهذا. البرلمان العالمي هو الذي يحاسب كل المؤسسات الدولية الأخرى ويصحح مساراتها.

مونبيوت يسهب في تفاصيل كثيرة في سياق صوغ التشكيل العالمي الجديد، فهو يتحدث عن الهيئات القضائية العالمية وكيفية تشكيلها وآليات المحاسبة, والشرطة العالمية ومؤسسات الإدارات العالمية وكيفية اختيار رئيس العالم والتي ستكون مناطة بمجلس المستشارين بشكل أساسي. صحيح أن كل التفاصيل ليست مقنعة إلى درجة كبيرة, بل تشطح في خيال قد يراه كثيرون بعيداً عن الواقع, لكن مونبيوت مصر على أن ما يراه نقاده حلماً بعيد المنال سيكون الأساس العملي لواقع الغد.

منظمة التجارة العادلة والمقاصة العالمية

التجارة هي روح التعاون في العالم, كما ستكون في عصر الرشد. لكن ضبطها وتسيير مساراتها يجب أن يكون وفق شروط عادلة. لهذا يقترح مونبيوت أن يحل محلها منظمة تجارة عادلة بوصلتها وأساسها مساعدة المجتمعات الفقيرة للحاق بمستوى الغنية.

كل هيكل منظمة التجارة العالمية الحالية لا يهتم أساساً بإنقاذ فقراء العالم بقدر ما هو مهتم بحسن سير تدفقات المال وحماية مصالح الأغنياء. هذا يجب أن يتوقف كلية ودفعة واحدة.. القوى المستغلة في عالم اليوم بلغت أوج قوتها بسبب نهبها للمجتمعات الضعيفة عبر قرون وعقود كما يقول مونبيوت, وآن الأوان لدفع فواتير ذلك الاستغلال المديد.

والمفهوم الأساسي الذي يعتمده مونبيوت لمثل هذه المنظمة المقترحة يقول الآتي: من أجل تحقيق قدر حقيقي من المساواة في النتائج, لابد من من إقامة منظمة تجارة لا تقوم على المساواة في إعطاء الفرص, بل تكون محابية للدول الفقيرة من الأساس لأنها ظلمت لمدة خمسة قرون على الأقل. عملياً ونتائجياً يقول مونبيوت إن أي تعديل مهما كان طفيفا في نسب المبادلات التجارية لصالح الدول النامية سيكون ذا أثر إيجابي هائل عليها.

فمثلاً لو زادت نسبة صادرات هذه الدول بمعدل 5% فقط لكانت العوائد المالية الناتجة عليها من جراء ذلك أكثر من 350 مليار دولار.

من أهم جوانب منظمة التجارة العادلة التي يدعو إليها مونبيوت جانب إيقاف الدعم الحكومي الضخم الذي تقدمه الدول الغنية لقطاعات عديدة في اقتصاداتها, وخاصة القطاع الزراعي. وهذا الدعم يقضي عملياً على القطاعات المنافسة لها في الدول الفقيرة التي لا تستطيع المنافسة. بل يجب في المقابل توفير دعم عالمي لتلك القطاعات في الدول الفقيرة، ويورد هنا أرقاماً مفزعة.

فمثلاً بلغ دعم الولايات المتحدة عام 2002 للمزارعين الأميركيين الذين يزرعون القطن (حوالي 25 ألف مزارع) أكثر من 3.9 مليارات دولار, وهو أكثر بثلاثة أضعاف من كل المساعدات التي تقدمها للقارة الأفريقية. وقد أدى دعم أولئك المزارعين إلى خفض سعر القطن في السوق العالمي بأكثر من 26%, أي دمار تام لتلك الزراعة في العالم النامي. وبشكل عام فإن الدول الغنية تدعم مزارعيها بحوالي 352 مليار دولار سنوياً, أي مليار دولار يومياً.

في المسألة الاقتصادية والمالية أيضاً يتوقف مونبيوت ملياً عند عدد من المقترحات القديمة الجديدة التي من شأنها معالجة الاختلال الكبير في الدفوقات المالية عبر العالم, حيث يزداد غنى الأغنياء وفقر الفقراء نظرياً. ويقر مونبيوت أن توزيع الغنى والفقر على شعوب العالم سيظل مرتبطاً بطبيعة النظام الدولي القائم. وطالما استمر قيام هذا النظام على الدول فإن مثل ذلك التوزيع سيرتبط آلياً بنمط العلاقات بينها, وبموقع كل منها في سلم القوة والغنى. وعلى مدار الخمسمائة عام الماضية أثبت ذلك السلم قدرة مرعبة على البطش والثبات لصالح الحفاظ على مصالح القوى الغنية والقوية على حساب الشعوب الفقيرة والضعيفة.

ينطبق هذا على الاقتصاد والمال والتجارة كما ينطبق على موازين القوى العسكرية. وينعكس على آلياتها, ومن ضمنها طرائق وأنماط تدفق الأموال بينها. وآخر تجليات تلك الطرائق والأنماط في الوقت الراهن هي المؤسسات المالية التابعة لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية, أي نظام بريتون وودز المتمثل في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هاتان المؤسستان أنيطت بهما مهمات مراقبة وضع النقد في العالم, وإعادة بنائه بعد دمار الحرب وتدعيم السلم العالمي, لكن على ضوء ما تراه الدول الكبرى وبشكل منطبق تماماً مع مصالحها.

باختصار فشل الاثنان في تحقيق أي هدف إنساني معقول ولو بالحد الأدنى المتمثل في وقف نمو الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء. المشكلة الأساسية هي أن حركة المال العالمية ظلت تدور بشكل مجحف من الجنوب إلى الشمال, فتتراكم الثروة في الشمال وتوفر رساميل إضافية للتطور والنماء والسيطرة, ثم يذهب بعضها إلى الجنوب على شكل ديون أو تجارة مسيطر عليها. والنتيجة هي فقدان تام للتوازن والعدل, ولهاث مستمر من قبل الجنوب إما لتسديد الديون أو العجز التجاري (مثلاً سيراليون تنفق لخدمة الديون سنوياً سبعة أضعاف ما تنفقه على قطاع التعليم!).

أما مجموع التدفقات المالية من الجنوب إلى الشمال كل سنة فتتجاوز 382 مليار دولار, تنتهي في بنوك وخزائن المؤسسات المالية والدول الغنية بدلا من إنفاقها على مشاريع التنمية ومواجهة الفقر في الدول المسحوقة.

الحل برأي مونبيوت يكمن في قلب هذا الدوران الدائري للمال مرة واحدة, عبر إنشاء مقاصة عالمية. هذه المقاصة تفرض على الدول ذات الوفرة المالية تحويل تلك الوفرة إلى استثمارات في الدول ذات الندرة المالية بهدف تغيير عدم التوازن في التجارة والمبادلات المالية (وهي فكرة طرحها في الأصل الاقتصادي الإنجليزي الشهير كينز لحل مشكلة التفاوت في الموازين التجارية بين الأغنياء والفقراء).

وتقوم المقاصة أيضاً بفرض ضرائب وغرامات على أي سيولات ضخمة ويكون مآلها إلى المقاصة. والموارد التي تؤول إلى المقاصة تحول إلى الدول النامية والفقيرة ضمن برامج تنمية موسعة.

بهذا, يعمل الفائض المالي عند أي دولة غنية على مساعدة العجز المالي عند الدول الفقيرة بطرق مباشرة وغير مباشرة. مشكلة هذه الفكرة (الإنسانية) أنها مرفوضة أميركياً في الوقت الحاضر, كما كانت مرفوضة أميركياً عندما طرحها كينز في أواسط الأربعينيات بديلاً عن صندوق النقد الدولي. وتطبيقها يحتاج إلى تغيير كبير في شكل العمارة المالية القائمة حالياً على الأرض.

المصدر : الجزير

 

الفصْل الثاني : الحج في السنّة المطهرة

 

في هذا الفَصل حِجة النبي (صلى الله عليه وسلم) كما ذَكرها جابر بن عَبد الله (رضي الله عنه)، وكان يقود راحِلَة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقد رواها مسلم، وأبو داود بهذا اللفظ، كما روى البخاري والنسائي والترمذي بعضها، وهي المسماة حِجة الوَداع، وهي الحِجة الوحيدة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).

أما سائر ما وَرد في السنّة مما يتعلق بالحج فتَجد كثيراً منه في سِياق الحديث عن أحكام الحج ومناسِكه.

حديث حِجة الوداع

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:

«... أن رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) مكثَ تسع سنين لم يحجّ، ثم أذّن في الناس في العاشِرة أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حاجٌّ، فقدِم المدينة بشر كثير كلُّهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويعمل مثل عمله؛ فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُلَيفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأَرسلت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم): كَيف أصنع؟ قال: اغتَسلِي واستثفِري بثوبٍ وأَحرمي، فصلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المسجد ثم ركب القَصواء حتى إذا استَوت به ناقته على البَيداء، نظرت إلى مدِّ بصري بَين يديهِ من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك؛ ورسول الله بين أَظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عَمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: "لَبَّيك اللهمَّ لبيك، لَبَّيك لا شَريك لك لَبيك، إن الحمدَ والنِّعمة لَكَ والملك، لا شَريك لك". وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهلُّون به، فلم يرد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم شيئاً منه، ولزم رسول الله تلبيتَه.

قال جابر: لسنا نَنوي إلّا الحج، لسنا نَعرف العُمرة، حتى إذا أَتينا البيت معه استَلم الركن، فرَمل ثلاثاً ومَشى أربعاً ثم نَفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: {واتَّخذوا من مَقام إبراهيم مُصلَّى}، فجَعل المقام بينه وبين البَيت، وكان يقرأ في الركعتين {قُلْ هُوَ الله أَحد} و{قُلْ يَا أيُّها الكَافِرُون}، ثم رجع إلى الركن فاستَلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا.

فلما دنا من الصفا قرأ: {إنَّ الصَّفا والمَروة من شَعائِرِ الله} أَبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقيَ(1) عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القِبلة فوحَّد الله وكبّره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شَريك له، له المُلك وله الحَمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونَصر عبده، وهَزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انْصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صَعدَتا مشى حتى أتى المروة فَفَعل على المروة كما فعَل على الصَّفا.

حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبَرت لم أَسُقِ الهَديَ، وجَعلتُها عُمرة، فمن كان مِنكم ليسَ معه هديٌ فليحلّ، وليَجعلها عُمرة"، فقام سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله ألِعامنا هذا أم لأبد؟ فشبَّك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد".

وقدم عليٌّ من اليمن ببدن النبي (صلى الله عليه وسلم)، فوجد فاطمة (رضي الله عنها) ممن حلَّ، ولبست ثياباً صبيغاً ؟ واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا.

قال: فكان عليٌّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مُحَرِّشاً على فاطمة للذي صنعَت، مستفتياً لِرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما ذكرَت عنه، فأخبرتُه أني أنكرت ذلك عليها. فقال: صدقتْ صدقتْ. ماذا قُلتَ حين فرضتَّ الحج؟ قال: قلت: اللهمّ إني أُهلُّ بما أهلّ به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحلَّ. قال: فكان جماعة الهدي الذي قدِم به عليّ من اليمن، والذي أتى به النبي (صلى الله عليه وسلم) مائة.

قال: فحلَّ الناس كلهم وقصَّروا، إلَّا النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) ومَن كان معه هدي. فلما كان يوم التَّروية توجَّهوا إلى مِنى فأهلّوا بالحج ورَكب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعِشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقُبَّة من شَعر تُضرب له بنمرة، فسار رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا تشك قريش إلّا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية. فأجاز رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُربت له بنمِرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقَصواء فرُحِّلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس، وقال:

"إن دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم كحرمة يَومكم هذا في شَهرِكم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شَيء من أمر الجاهلية تَحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أوّل دم أَضع من دمائنا دم ابن رَبيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سَعد فقتلته هُذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتَّقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطِئن فرشَكم أحداً تَكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنَّ ضرباً غير مُبَرِّح. ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تَضِلّوا بعده إن اعتصمتُم به: كتاب الله. وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهدُ أنك قد بلّغت وأدَّيت ونَصَحْت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهمَّ فاشهد، اللهمَّ فاشهد، اللهمّ فاشهد ثلاث مرات".

ثم أذن، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أَقام فصلّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا، ثم ركِب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى أتى الموقف، فَجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصّفرة قليلاً حتى غاب القُرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع (صلى الله عليه وسلم) وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس، السَّكينة، السَّكينة" كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئًا.

ثم اضطجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر حين تبيَّن له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القَصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه، وكبَّره، وهلَّله، ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا.

فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضلَ بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مرت به ظُعُن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يَده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحوّل رسول الله يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسِّر فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات -يكبِّر مع كل حصاة منها- مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي.

ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.

ثم ركب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأفاض إلى البيت، فصلّى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوًا فشرب منه".

الفصْل الثالث: الحج: حكمه - فضله - شروطه ومسائل أخرى

قال الله تعالى: {إنَّ أوَّلَ بيتٍ وُضع للناسِ لَلَّذي ببكَّةَ مباركاً وهُدى للعالمين، فيه آياتٌ بيناتٌ مقامُ إبراهيمَ ومَن دخله كان آمنًا، ولِلَّه على النَّاس حِجُّ البيتِ من استَطاعَ إليه سَبيلاً ومن كَفرَ فإنّ الله غَني عن العالَمين} [آل عمران: 97].

الحج: حكمه، فضله، شروطه

أولاً : تعريفه : قصد مكة لأداء المناسك. وهو أحد أركان الإِسلام الخمسة، للحديث الصحيح المشهور، ومِن الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة، فيكفر منكره ويعتبر مرتدًّا عن الإِسلام. وقد فُرض الحج في السنة السادسة للهِجرة على رأي الجمهور.

ثانياً : حكمه

والحج فَرض على كل مسلم مَرة في العمر، وما زاد فهو تَطوّع. وقد ثبتت فرضيته بالآية المذكورة وغيرها من الآيات وبكثير من الأحاديث الصحيحة. أما أنه مرة في العمر فلحديث أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: "يا أيها الناس، إن الله كتبَ عليكم الحج فحُجوا"، فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكتَ حتى قالها ثلاثًا، ثم قال (صلى الله عليه وسلم): "لو قلتُ نَعم لوجبتْ ولما استطعتم..." رواه البخاري ومسلم.

وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الحج فرض على الفور، أي يجب على المسلم أداؤه فور تمكنه من ذلك، وتحقق شروط الوجوب والاستطاعة، فإن أخَّره أثم. وذهب الشافعي إلى أن الحج فرض على التراخي، فلا يأثم من أخَّره ولو كان مستطيعًا إذا أدَّاه قبل الوفاة، أما إذا أَدركته الوفاة قبل أداء الحج فهو آثم، كما يقول الإِمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين".

ثالثًا: فضله:

وقد ورد في ذلك كثير من الأحاديث، نذكر منها:

- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئل رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم): أيُّ العمل أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال؛ "حج مبرور" متفق عليه.

- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من حجَّ فلم يَرفُث ولم يَفسُق، رَجع كيوم ولدته أمه" متفق عليه. الرفَث: هو الكلام البذيء، ويأتي بمعنى الجماع.

- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "العمرة إلى العمرة كَفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة" رواه الشيخان.

رابعًا: شروط وجوب الحج:

يشترط لوجوب الحج ما يلي:

- الإِسلام: فلا يجب الحج على غير مسلم.

- البلوغ: لأن الحج لا يجب على الصبي قبل سن البلوغ.

- العقل: فالمجنون لا يجب عليه الحج.

وهذه الشروط الثلاثة عامة في كل التكاليف الشرعية.

- الاستطاعة: وتتحقق بصحة الجسم، وأمن الطريق، وأن يملك نفقات السفر، ونفقات من يعول في غيابه.

- وهناك شرط خامس بالنسبة للمرأة وهو أن يصحبها محرم، أو نسوة ثقات، أو امرأة واحدة ثقة، وقد أجاز بعض العلماء للمرأة السفر وحدها للحج إذا كان الطريق آمنًا، كما أجاز البعض للعجوز السفر من غير محرم (راجع كتاب المهذب وكتاب سبل السلام)، وقد استدلوا بالحديث الذي رواه البخاري:

عن عدي بن حاتم قال: بينما أنا عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذ أتاه رجل فشكا إليه الفَاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قَطع السبيل، فقال: "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟" قال: قلت: لم أرها، وقد أُنبئت عنها، قال: "فإن طالت بك حياة لترينَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلّا الله". الحيرة: قرية قرب الكوفة. والظعينة: المرأة المسافرة ما دامت في الهودج.

كما استدلوا أيضًا بأن نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) حَجَجْن بعد أن أذِن لهن عمر في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف.

ويُستحب للمرأة أن تستأذن زوجها في حجة الفريضة، ويجب عليه أن يأذن لها، وإلّا جاز لها أن تخرج بغير إذنه؛ لأن الحج فريضة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أما في حجة التطوع فلا يجوز لها الخروج إلّا بإذن زوجها. (وعند الشافعية: ليس لها الخروج ولو لحج الفريضة بدون موافقة الزوج؛ لأن حقه على الفور والنسك على التراخي).

واتفق العلماء أن المرأة إذا حجت بغير محرم صح حجها، وإن اختلفوا هل تأثم أم لا؟ كما اتفقوا أن غير المستطيع إذا حج صح حجه، وأن الصبي إذا حج يصح حجه أيضًا، ولكن لا تسقط عنه حجة الفريضة بعد البلوغ.

خامسًا: مسائل مهمة:

1 - الحج عن الميت: من مات وعليه فريضة الحج، وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من ماله، لحديث ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت: إن أمي نَذرت أن تحج ولَم تحج حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: "نعم حُجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" رواه البخاري.

2 - الحج عن الغير: إذا عجز المسلم عن الحج لشيخوخة أو لمرضٍ مزمن، لزمه إحجاج غيره عنه، لحديث الفضل بن عباس: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع. رواه الجماعة، وقال الترمذي حسن صحيح. وإذا شفي المريض بعد أن وقع الحج عنه، فعند الجمهور يجب عليه الإِعادة، وعند أحمد لا يجب عليه بعد أن وقعت الحجة صحيحة.

3 - ومن شروط الحج عن الغير، سواء كان حيًا أو ميتًا، أن يكون قد سبق له الحج عن نفسه، لحديث ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سمع رجلاً يقول: لبيك عن شُبرمة، فقال: "أحججت عن نفسك؟" قال: لا. قال: "حُجَّ عن نفسكَ ثم حُج عن شُبرمة" رواه أبو داود وابن ماجه.

4 - وإذا وقع الحج بمال حرام: فعند الجمهور يصح الحج ويأثَم صاحبه. وعند أحمد بن حنبل لا يصح الحج ولا يجزئ.

5 - ويجوز تعاطي التجارة في الحج، لقوله تعالى: {ليسَ عليكم جُناحٌ أن تَبتَغوا فَضلاً من ربكم} وقد فعلها الصحابة، ولكن الأفضل التجرد للحج.

 

 

الأفارقة والسلام.. هل يلتقيان؟ رؤية ثقافية

 

2003/12/24

نيجيريا - الخضر عبد الباقي 

السلام والأفارقة..هل يلتقيان؟! قد يبدو طرح السؤال غريبا بعض الشيء، ربما، ولكن أذهان الكثيرين لا تتوقف عن التفكير فيه، بل يصل إلى ما طرحه البعض متسائلا عن موقع السلام في الثقافة الأفريقية، وأغراهم بذلك ما يجدونه من تناقضات صارخة وصراعات عنيفة داخل المجتمعات الأفريقية.

"السلام يحمل وعودا لا حصر لها".. هذا مثل شعبي شائع لدى قبائل "الولوف" التي تنتشر في السنغال وجامبيا، ويشيع بمعان أخرى في بلاد وقبائل أفريقية كثيرة، وهو -إلى حد كبير- يصلح مفتاحا للإجابة على السؤال الإشكالي: السلام والأفارقة.. هل يلتقيان؟.

أما إذا أردت الإجابة على السؤال فدع عنك رصد الحال السياسي في القارة البائسة، وابحث عنه في الموروث الثقافي الأفريقي الذي يؤكد عكس الشائع ويكشف عن وجود مفاهيم ومعان عميقة في دلالتها على مكانة ومركزية السلام في الثقافة الأفريقية، حتى صار أقرب إلى هاجس قومي للأفارقة، فهو الأساس الذي تقوم عليه الحياة الاجتماعية في المجتمعات الأفريقية، وله وضع مرموق وحيز بارز في وجدان الأفارقة على اختلاف لغاتهم ودياناتهم.

نشدان السلام هاجس قومي

يمثل العيش في سلام وفي واحة بحبوحة من الرخاء أملا يتطلع إليه الأفارقة، لا سيما أن قارتهم تعرضت لتقلبات واضطرابات لفترات طويلة؛ وهو ما جعل مفهوم السلام يترك بصماته على أدق تفاصيل في الحياة العامة.

في العرف الثقافي النيجيري عند قبائل "اليوروبا" نلاحظ أنه عندما يتقابل شخصان يحيي أحدهما الآخر بقوله:

هل أنت بخير؟

فيرد الآخر: لا شيء إلا السلام.

وهذا يوضح مدى اقتناعهم بأهمية دور الانسجام والاتفاق بين الأفراد مهما كانت نقطة البداية الفلسفية أو الدينية أو الأخلاقية.

والصلوات والأدعية التي يتلوها ويكررها الأفارقة بلغات محلية، هي الأخرى تؤكد نفس المعنى، وتؤكد الفكرة المتطلعة والمفعمة بالأمل في السلام والأمان.

وهذه كلمات أغنية تقليدية من "غينيا" تقول:

اجعل السلام يسود العالم

ولا تجعل الأبنية تسقط

اجعل الحيوانات تعيش في وئام

ولتقتلع كل كلمة سيئة

أو فكرة غير لائقة

وتلقي بها بعيدا في أعماق الغابة البكر.

وتقول كلمات النشيد الوطني في "نيجيريا":

يا ألله، يا خالق الكون

ألهم قادتنا الصواب في كل قرار يتخذونه

وساعد شبابنا في الاهتداء إلى الحقيقة

بكل الحب والأمانة

نعمل ونعيش لبناء أمة

يسودها السلام والعدالة.

وفي بعض الأعراف الثقافية في المجتمعات الأفريقية نجد أن "السلام" مرادف للتسامح، كما هو الحال في ثقافة قبائل "الهوسا" التي ترى أن مفهوم السلام واسع وشامل لكل ما هو خير.

وعلى هذا الأساس ساد مبدأ رفض الشك في الآخرين ورفض الأفكار المتحيزة في التعامل مع الجديد أو المجهول أو مع كل ما هو غير عادي.

التسامح.. شواهد وبراهين

وتذخر أدبيات التراث العلمي الأفريقي في هذا المجال بالعديد من الشواهد والبراهين التي تؤكد هذا التوجه لدى الشعوب الأفريقية، وقد أرجع باحثون وكتاب كثيرون سبب نجاح الرحالة الأجانب -الذين قدموا إلى القارة الأفريقية- إلى التفاعل الإيجابي الذي لقوه من شعوب المنطقة، والذي تجسد في الروح السمحة ورفض الشك في الآخرين والبعد عن الأفكار المتحيزة في التعامل مع الجديد، حيث يرون أنه لولا إيمانهم الراسخ بأن الالتحام في الجوهر الإنساني هو الذي يخلق روابط حقيقية، لولا ذلك ما كانوا يستطيعون أن يقدموا تلك الأعمال الأدبية في أسفار ومجلدات عن أفريقيا وشعوبها.

ويشير الكاتب الأفريقي والعالم الاجتماعي الكاميروني “أبياديرتيام" في كتابه "العلاقات الاجتماعية في المجتمعات الأفريقية" إلى أن هذا التوجه هو موقف أفريقيا منذ قديم، بل منذ فجر التاريخ، وهو الذي جعلها تفتح أبوابها للعالم الخارجي. فمنذ حملة الملكة المصرية حتشبسوت على بلاد "بونت" في السنوات بين 1493 و1490 قبل الميلاد وحتى مرحلة القرن التاسع عشر توجد أدلة كثيرة على الروح الأفريقية للتسامح والكرم".

وبمعنى أكثر وضوحا، فإن تلك الأدبيات تقول: إنه لم يكن باستطاعة حبيب بن عبيدة والفزاري أن يجمعا ملاحظاتهما ويدونا يومياتهما عن مملكة غانا إلا بفضل المناخ السلمي السائد في المنطقة، كما أن ابن حوقل لم يصادف عقبة من الشعوب الأفريقية خلال زيارته للأراضي الواقعة جنوب الصحراء، وبهذا السلام والتفاعل الإيجابي استطاع البكري والإدريسي وياقوت بن سعيد والعمري فيما بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر أن يقدموا توصيفا دقيقا قيما للممالك الواقعة في الحزام السوداني من السنغال إلى النيل، كما أن تلك الروح السمحة لدى الأفارقة سهلت الكثير من الصعاب أمام ابن بطوطة في أن يزور مالي، واستطاع "ليو" أن يزور تمبكتو الأفريقية.

ولم تكن سمة التفاعل الإيجابي مع الرحالين العرب فحسب، بل كانت نفس الظاهرة سائدة متواصلة مع الرحالة الغربيين، ويوميات غوميزانيس زورارا عن غينيا، وكتابات ديوغو غوميز وديوارت باتشيكو بيريرا وغواو دي باروس عن رحلاتهم، كلها تشهد على سعة أفق الشعوب الأفريقية من ناحية، وتشهد على إنسانيتها من ناحية أخرى. ورغم بعض المغالطات والإجحاف الذي تحمله بعض الكتابات الغربية، فإن هناك زوارا غربيين آخرين من القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر شهد يراع أقلامهم بالتسامح المتناهي لدى الشعوب الأفريقية، وهو التسامح الذي يتجاوز اللون واللغة والدين والعرق والأصل الاجتماعي.

مرتكزات السلام

ويؤكد المؤرخ الأفريقي الشهير وأحد دعاة إنقاذ الحضارة الأفريقية من السطو الغربي الشيخ أنتاديوب (من السنغال) أن فكر التسامح والتعايش السلمي يرتكز على البعد الإنساني في التراث الأفريقي بشكل عام، ويستشهد على ذلك بقضية انتخاب الملك في المجتمعات الأفريقية قديما قبل مجيء الاستعمار الأوربي للقارة الأفريقية، ومثّل بمنطقة كابور في السنغال؛ حيث يعد انتخاب الملك فيها عنصرا لا بد منه في تشكيل ما يسمى بـ"المجلس الحاكم"، وكانت كل الفئات الاجتماعية التي تتكون منها الأمة تمثل في تلك المؤسسة لضمان استقرار ووئام دائمين بين المواطنين، عن طريق ما يتيحه من فرص في تشجيع المشاركة والعلاقات الاجتماعية الودية في جو من التسامح والاحترام المتبادل.

ويرى الشيخ أنتاديوب أنه بالرغم من أن الشخص الذي يرأس المجلس الحاكم كان يتم اختياره من الفئة الأرستقراطية في الغالب، فإن بعض أعضاء المجلس وحكام المقاطعات المهمة الأخرى كان العرف التقليدي الاجتماعي يشترط أن يكونوا من صفوف الشعب، بينما كان رئيس المجلس (الملك) يقوم بأداء دور من يمثل خدم البيوت والمنازل.

وقد كانت هذه الروح مرتكزا أساسيا للواقع الاجتماعي في القارة الأفريقية، وسادت بها ما يمكن تسميته بـ"الديمقراطية التلقائية" في أجواء من الحرية والعدالة، حتى أتت تجارة العبيد والغزو الاستعماري وكل ما جلب من مضاعفات وتداعيات خطيرة وسلبية على شعوب القارة، كل ذلك خلق حالة مرضية من العنف، وأفسد العادات الاجتماعية وطرق الحياة العامة التي فقدت بها بعض القوميات أهم ملامح ومرتكزات الهوية القومية.

التسامح النموذجي مع الغريب

ولعل ما يفسر تلك النظرية أننا إذا نظرنا إلى الطريقة التي يعامل بها بعض الشعوب الأفريقية الأجانب والغرباء نجدها طريقة فريدة، تتسم بأنها في منتهى النموذجية؛ حيث يتم الترحيب بهم بكل معاني الترحيب، ومن ثم معاملتهم بطيبة وكرم، بغض النظر عن اللغة التي يتكلمون بها أو جنسياتهم أو سنهم أو ديانتهم؛ لأنهم أولا وأخيرا آدميون.

ونجد تطبيقات واقعية لهذا الفكر النموذجي لأبعاد ومعاني السلام والتسامح لدى قبائل "الولوف" بالسنغال، حيث نرى تصرفا قد يكون غريبا بعض الشيء؛ إذ قد يتنازل رب الأسرة عن بيته وفراشه أو فراش زوجاته وأولاده للأجنبي بدون أن يولي اهتماما بنفسه؛ حرصا منه على أن يعيش الغريب في سلام ووئام مع الأهالي ولينصهر في قالب المجتمع.

وتحتم المنظومة والأعراف التقليدية في بعض مجتمعات "اليساري" أنه ينبغي على رئيس القبيلة أن يسعى نحو ترغيب الضيف النزيل من البلدان والقبائل المجاورة على الارتباط بهم عن طريق المصاهرة، على أمل أن تكون نتيجة تلك العلاقة طفلا يدعم عملية التواصل والتفاهم ويقوي عرى المجتمع.

بهذا المنطلق وتلك المقاربة قطع الأفارقة على المستويين الفكري التنظيري والعملي التطبيقي أشواطا كبيرة في سبيل احتواء الاختلافات بين الشعوب، فبدلا من أن تكون الحواجز الموجودة حدودا فاصلة بين البشر اختزلوها للحد الذي تفقد فيه معانيها الحادة أو اعتبارها سببا للفرقة والتشتت حيث أصبحت غير ضارة؛ لأن البناء تم على دعائم وأسس السلام والتسامح والاحترام، والخامات المستخدمة فيه تتكون من آلية ثقافية شعبية؛ وهو ما جعل البناء شامخا وراسخا، واستحق الأفارقة بحق أن يوصفوا بأوائل من وحّد الشعوب وقرب المسافات بين الثقافات المختلفة، على خلاف ما عملته ولا تزال تعمله الثقافة الإمبريالية الغربية المعاصرة التي تستهدف قولبة الشعوب وعولمة الثقافات في قالب أمريكي بالقوة والقهر.

 

 

التاريخ الأفريقي.. يتظلم!!

 

الخضر عبد الباقي :

تعرضت أفريقيا لعدة مظالم، بيد أن أكثر تلك المظالم مُضاضة (أي: غير مقبولة) وأشدها وطأة على النفس موجة شديدة عارمة من الجناية على تاريخ وحضارة أفريقيا؛ فقد حملت كتابات أجنبية، خاصة الكتابات الأوروبية منها صوراً كئيبة وأطروحات سخيفة وافتراءات فاضحة عن التاريخ الأفريقي وبالأخص أفريقيا جنوب الصحراء، وقد تمثلت تلك الجناية في حملاتهم القوية والمتكررة التي تتلخص في أن تاريخ أفريقيا جنوب الصحراء لم يبدأ إلا مع مجيء الاستعمار الأوروبي إلى القارة.

وإنه من الخطأ الفاحش والجناية على الحقائق التاريخية أن يزعم إنسان عادي أو يتوهم كاتب أن تاريخ المنطقة بدأ بمجيء المستعمرين الأوروبيين، فلسنا مجازفين ولا مبالغين إذا قلنا ذلك؛ ويحق لنا أن نتساءل: هل سجل التاريخ شيئاً عن سواحل أفريقيا الغربية واكتشاف بلدانها قبل القرن الرابع عشر الميلادي؟

وهل عرف المرجفون الأوروبيون أن للمنطقة قبل مجيئهم أمجادا خالدة وحضارات وثقافات تليدة ومآثر ومعالم لا يغفل عنها ولا ينكرها إلا مكابر جحود؟!

ولقد كتب عن أمم أفريقيا الغربية وعن مهجرها الأول قبل نزوحها إلى هذه المناطق كتاب كثيرون على الرغم من وجود بعض تحفظات عليها، ويمكن أن نذكر من هؤلاء الكتاب أمير المؤرخين الباحث اليوناني الكبير هيرودوت 425-484 قبل المسيح، ثم العلامة الكبير موريس دولافوس الفرنسي، وتحمل كتابات هذين المؤرخين شهادات ووثائق علمية على وجود حضارة وثقافة أفريقية من العصر القديم.

وفي العصور المتوسطة ذكرت كتب التاريخ أنها من أفخرالأيام وأحلى الأزمان بالنسبة لتاريخ أفريقيا الغربية؛ و أنها تعد بمثابة العصر الذهبي لإقليم السودان وغرب قارة أفريقيا بصورة عامة، فقد نضجت إبانها معالم الحضارة الأفريقية، كما أن الإسلام قد أخذ في الانتشار بتعاليمه وثقافته، ونشطت العلاقات التجارية بين ساحل غانا وأفريقيا المتوسطة.

التأريخ الإسلامي

وقد نشط التدوين بمجيء الإسلام، وبدأ عصر التدوين الرسمي لأول مرة في تاريخ هذه البلاد وشعوبها، ويعد "وهب بن منبه" أول من سجل من العرب عن غرب أفريقيا سنة 738م وإن كانت كتاباته تقتصر على قصة من كان يعيش غرب أفريقيا من أصول المهاجرين وأنسابهم.

وجاء بعده المؤرخ الجغرافي والرحالة العربي الكبير عليَّ بن الحسن المسعودي بعد ما يقارب من 200 سنة حتى وهب بن منبه عام 947م، ونقل لنا تاريخ النشأة الأولي لغرب أفريقيا، وأوصاف المهاجرين الأوائل وقصة تفرقهم وتوزعهم في جهات أفريقيا وأصوابها، والتي حفل به كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" وأكد كتابه هذا بوضوح أن ولد نوح لما تفرقوا في الأرض سار ولد كوش بن كنعان نحو المغرب حتى قطعوا نيل مصر، ثم افترقوا فسارت طائفة منهم ميمنة بين المشرق والمغرب وهم النوبة والبجة والزيخ، وسار فريق منهم نحو المغرب، وهم أنواع كثيرة كالزغاوة والكانم ومركة وكوكو وغانة وغير ذلك من أنواع السودان.

وقام في القرن الحادي عشر الميلادي الجغرافي الأندلسي أبو عبيد عبد الله البكري بسياحة طويلة في بلاد المشرق والمغرب، ووضع كتابه "المسالك والممالك" وأفاض في سرد أخبار وأوصاف ممالك غرب أفريقيا.

وكتب عن غرب أفريقيا في القرن العاشر الميلادي الإمام شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الروحي في كتابه: معجم البلدان، والذي يعد من أعظم المراجع التي يمكن الاعتماد عليها في توصيف دول وممالك غرب أفريقيا، وكان قد عبر بقوله عند الحديث عن غانا: "إنها تقع في جنوبي بلاد المغرب، وإن رواج التجارة فيها فوق الوصف".

جاء بعده من يمكن أن نطلق عليه أمين الوصف والرواية الرحالة الفذ محمد بن عبد الله المشهور بابن بطوطة الذي تغلغل في أبعاد وأعماق البلاد، وكتب عن غرب أفريقيا في رحلته الثالثة؛ حيث زار كلاً من تغازا وقالي وزاغري وتمبكتو سنة 1352-1354م.

وجاء بعده المؤرخ الاجتماعي والفيلسوف العربي أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون سنة 1333-1406 هـ، وأتى بأوصاف عزيزة ووفيرة في تناوله لممالك وحضارة دول غرب أفريقيا.

وفى القرن السادس عشر الميلادي نبغت خيرة كتاب من أبناء أفريقيا الغربية نفسها واستطاعوا أن يكتبوا عن بلادهم بأقلامهم، وفي مقدمة هؤلاء الكتاب الكاتب القدير المؤرخ الأمين أحمد بابا التمبكن الذي قام برحلة لربوع أفريقيا كلها؛ ومن ثم وضع كتابه المشهور "الكشف والبيان" كما كتب في ذلك المؤرخ الأفريقي محمد بن أبى بكر الونظزي، وأنجبت حركة الجهاد الإسلامي بقيادة المجدد الإسلامي الكبير عثمان بن فودي علماء وأساتذة في التدوين والتاريخ، ويأتي في مقدمتهم عبد الله بن فودي وابن أخيه الأكبر محمد بلك وغيرهما كثير.

وهل يُعقل أن يتجرأ باحث ويتجاهل حضارات هائلة شهدت لها المواثيق والمراجع التاريخية!! مع العلم أن تاريخ أفريقيا الغربية في العصر القديم قد ضاع منه الكثير بسبب تساهل سكانها الأوائل في وثائق وسجلات يمكن أن تكون دليلاً وهادياً للراغب في معرفة تاريخ هذه الأمة والمنطقة.

فالحقيقة التي تستند إليها الدلائل أن دول أفريقيا الغربية قد عرفت وصنعت حضارات وثقافات قبل مجيء الاستعمار الأوروبي واحتلاله لأراضيها، وأقامت ممالك عظيمة ساهمت في الحضارة الإنسانية بشكل عام.

 

أفريقيا 2003 في النفق الإمبراطوري

31/12/2003

خالد حنفي علي* 

دخلت القارة الأفريقية بقوة في الاهتمامات الأمريكية في عام 2003، خاصة أنها شهدت زيارة تاريخية للرئيس الأمريكي جورج بوش إلى 5 دول أفريقية في يوليو 2003. وعمق أيضا من ذلك اهتمام واشنطن هذا العام بحل الأزمة بين الفرقاء في ليبيريا، والبحيرات العظمي، والسودان، وساحل العاج، وغيرها من الأزمات بالقارة الأفريقية؛ وذلك بالمقارنة مع الإهمال الذي شهدته هذه القارة مع تولي بوش الحكم.

وجاء هذا الاهتمام الأمريكي المتزايد في عام تم فيه الحديث بكثافة عن إستراتيجية جديدة ذات بعد "إمبراطوري" لإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للعالم بعد أحداث 11 سبتمبر، قوامها التوسع الخارجي في مناطق العالم المختلفة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ لتحقيق الأمن القومي الأمريكي بمعناه الشامل، وللهيمنة على القوى الصاعدة في النظام الدولي، وتأمين الاحتياجات الأمريكية من الطاقة.

ورغم أن إدارة الرئيس الجمهوري بوش غلفت هذه الإستراتيجية بشعار "محاربة الإرهاب" فإن أحدا من المراقبين لم يكن ليشك لحظة في أن الحربين اللتين خاضتهما أفغانستان في أكتوبر 2001، والعراق في مارس 2003 قد حققتا للولايات المتحدة الاقتراب من منطقتين نفطيتين هما: الخليج وبحر قزوين، كما ضمنت واشنطن قواعد عسكرية لها في هذه المناطق تستطيع من خلالها ضرب أي قوى معادية لها.

وأدخلت الولايات المتحدة القارة الأفريقية في هذه الإستراتيجية لاعتبارات، منها: امتلاك القارة السوداء لمعابر تجارية ومواني بحرية هامة على المحيطين الهندي والأطلسي، بما يجعلها منطقة هامة لتمارس فيها الولايات المتحدة عمليات توسيع انتشارها العسكري عبر العالم لضرب أي قوة معادية لها. وكذلك امتلاك القارة الأفريقية لثروة نفطية؛ حيث يقدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) مجمل الاحتياطي النفطي لأفريقيا بـ80 مليار برميل؛ أي ما نسبته 8% من الاحتياطي العالمي الخام.

واستنادا إلى هذه القدرات النفطية تشير دراسة أجرتها المجموعة الوطنية لتطوير سياسة الطاقة في واشنطن عام 2002 إلى أن الولايات المتحدة سترفع وارداتها النفطية في أفريقيا من 16% إلى 25% بحلول 2015. وفي حال سيطرة الولايات المتحدة على مخزونات النفط الأفريقي بجانب السيطرة على نفط العراق فسيعني ذلك تحكمها في الاقتصاد العالمي واقتصاديات الدول المنافسة، خاصة اليابان وأوربا.

كما تعتبر القارة الأفريقية سوقا كبيرة تقدر بحوالي 700 مليون نسمة، وتسعى الولايات المتحدة للاستفادة من هذه الأسواق، خاصة أن تقرير وزارة التجارة الأمريكية عام 2002 يشير إلى أن تجارة الولايات المتحدة مع أفريقيا تمثل حوالي 1.8% من إجمالي حجم تجارتها الخارجية. وآخر الاعتبارات أن الاهتمام الأمريكي بأفريقيا قد يساعد على تحسين صورة الحزب الجمهوري الذي يتزعمه بوش في أعين الأمريكيين السود في الانتخابات القادمة في عام 2004، الذين عادة ما يصوتون للحزب الديمقراطي.

تحركات أمريكا في أفريقيا

في إطار هذه الأهمية لأفريقيا تحركت إدارة الرئيس بوش لتطبيق إستراتيجيتها في أفريقيا.

ومن أبرز هذه التحركات في عام 2003 ما يلي:

أولا- تكثيف التواجد العسكري الأمريكي في مناطق أفريقيا المختلفة والتدخل إذا لزم الأمر. وتبدو في هذا الصدد عدة أمثلة، أبرزها الأزمة الليبيرية التي شهدت تدخلا أمريكيا عسكريا في أغسطس 2003، بعد ضغوط مارسها الرئيس بوش على الرئيس الليبيري تشارلز تايلور ليتنحى الأخير عن السلطة؛ ليتم بعد ذلك إبرام اتفاق سلام بين الحكومة وحركتي التمرد الرئيستين في البلاد، وهما: الحركة الليبيرية المتحدة من أجل المصالحة والديمقراطية (LURD)، والحركة من أجل الديمقراطية في ليبيريا (MODEL)؛ لوقف الصراع الليبيري المستمر منذ 14 عاما.

ورغم أن التدخل الأمريكي فسره البعض على خلفية الارتباط التاريخي والمعنوي بين الولايات المتحدة وليبيريا، بحكم أن الأخيرة استوطن فيها العبيد الأمريكيون المحررون؛ فإن هذا التدخل الأمريكي كان خلفه مصالح أمريكية، تصب في قلب الإستراتيجية الجديدة في التعامل مع القارة الأفريقية؛ ويتمثل في بناء واشنطن مطار "روبرتسفيلد" الدولي الذي يستخدم كقاعدة رئيسية لإعادة تموين الطائرات العسكرية الأمريكية بالوقود في المحيط الأطلنطي؛ كما أن ليبيريا بها محطة إرسال تابعة لـ"سي آي إيه" لالتقاط كل ما يبث في القارة، إضافة إلى وجود قاعدة "أوميجا"، إحدى 6 قواعد بحرية أمريكية هي الكبرى خارج الولايات المتحدة. هذا إلى جانب وجود مزرعة المطاط اليابانية الأمريكية قرب مطار ليبيريا الدولي، وهي أكبر مزرعة من نوعها في العالم، ويقيم بها 75 ألف نسمة. كما كانت ليبيريا محطة أمريكية لدعم المتمردين في أفريقيا، وعلى سبيل المثال كانت الأسلحة تصل لحركة يونيتا الأنجولية عبر منروفيا.

وأكد النية الأمريكية في توسيع وجودها العسكري في منطقة غرب أفريقيا ما ذكره تقرير نشرته مؤسسة "أكسفورد أنليتيكا" للأبحاث والدراسات في شهر سبتمبر 2003، ذكرت فيه أن كلا من الكاميرون والجابون وغينيا الاستوائية توصلت بالفعل إلى اتفاقات مع الولايات المتحدة يتم السماح بموجبها للأمريكيين استخدام مطارات تلك الدول. كما يتم بحث مجموعة من الخيارات بما فيها استخدام قواعد جوية في نيجيريا وبنين وساحل العاج.

وسبق هذا التقرير بعدة أشهر تصريحات للجنرال الأمريكي جيمس جونز -أعلى مسئول عسكري أمريكي في أوربا في شهر أبريل 2003- قال فيها: إن الولايات المتحدة تريد زيادة تواجدها العسكري في أفريقيا للرد على ما وصفه بـ"التهديدات الجديدة التي يمثلها تعرض بعض الدول لعدم الاستقرار"؛ لوجود مناطق شاسعة بدون سلطة تتيح المجال لنشاط تجارة المخدرات وتدريب الإرهابيين، معلنا أن وزارة الدفاع الأمريكية تنوي خلق مراكز إستراتيجية في العالم للتدخل السريع في إطار ما أسماه "تحول القوات الأمريكية لجعلها أكثر قدرة على التحرك".

ولا شك أن أهمية وجود قوات أمريكية في الساحل الغربي لأفريقيا يكمن في تأمين خط أنابيب "تشاد-كاميرون" الذي سيضخ 250 ألف برميل من النفط يومياً في اتجاه الأطلسي؛ وكذلك خليج غينيا، وهو شريط ساحلي مليء بالنفط بين أنجولا ونيجيريا؛ حيث يتعدى إنتاج المنطقة النفطي 5.4 ملايين برميل يوميا.

وتأتي تحركات واشنطن في غرب أفريقيا بعد نجاحها في توطيد وجودها العسكري في القرن الأفريقي بعد زيارة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لكل من إريتريا وأثيوبيا وجيبوتي في ديسمبر 2002؛ حيث وافقت الدول الأفريقية الثلاث على السماح للطائرات الأمريكية بالتحليق فوق أراضيها، وكذلك تقديم معلومات عسكرية، والسماح للبحرية الأمريكية بحرية الحركة لضمان أمن البحر الأحمر من ناحية القرن الأفريقي.

ثانيا: تحركات تجاه النفط الأفريقي: حيث وضعت الإدارة الأمريكية هذا النفط نصب أعينها في عام 2003، خاصة أن الاستثمارات المتوقعة لشركات النفط الأمريكية قد تصل إلى حوالي 10 مليارات دولار في أفريقيا خلال عام 2003، وفقا لتقديرات "مجلس التعاون الأمريكي مع أفريقيا" CCA. ومن أبرز تحركاتها العمل على منع الصراعات في مناطق إنتاج النفط. ووفقا لهذه الرؤية فليس مفاجئا أن صراعات معقدة ظلت عقودا مشتعلة بدا لها "فجأة" حل سياسي في عام 2003؛ مثل التوصل لاتفاق تقاسم السلطة في الكونغو الديمقراطية (يونيو 2003)، وحل الأزمة الليبيرية (أغسطس 2003)، وكذلك تدعيم مفاوضات السلام في السودان خلال عام 2003؛ والذي بدا من خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول لكينيا في شهر أكتوبر 2003 لحث لمفاوضين على توقيع اتفاق نهائي قبل بدء عام 2004، وتأييدها لاتفاق السلام في بوروندي (نوفمبر 2003). وكانت الولايات المتحدة قد استطاعت الضغط على حركة يونيتا في أنجولا لإنهاء الحرب الأهلية في إبريل 2002 بعد عقود من استمرار هذه الحرب.

من جهة أخرى تم تكثيف الزيارات السياسية إلى أفريقيا؛ فقد زار الرئيس بوش 5 دول أفريقية في يوليو 2003 (السنغال - جنوب أفريقيا - بتسوانا - أوغندا - نيجيريا)؛ وهذه الدول تم اختيارها بعناية لتمثل مناطق أفريقيا، ويكون لها دور إقليمي وتعاون عسكري واقتصادي وثيق مع واشنطن.

عوائق مطروحة

لا يمكن القول بأن الأمر يبدو سهلا بالنسبة للولايات المتحدة؛ فثمة عوائق قد تحول دون مضي الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في طريقها عام 2004، أبرزها ما يلي:

1-  يواجه البعد العسكري في هذه الإستراتيجية تحديات كبيرة: وربما سقوط عشرات الجنود الأمريكيين قتلى على يد المقاومة العراقية مثّل درسًا للقوات الأمريكية في التدخل العسكري، ودفعها للتحوط في التعامل مثلا مع الأزمة الليبيرية؛ حيث جاء التدخل الأمريكي في منروفيا محدودا وحذرا؛ بل إن الرئيس بوش نفسه أعلن أنه ستحل قوات دولية محل الأمريكية في ليبيريا بعد انتهاء مهمتها.

2-  يمثل النفوذ الفرنسي في 20 دولة أفريقية تخضع للفرانكوفونية عائقا أمام الولايات المتحدة؛ فباريس ذاتها بدأت في تعديل سياستها التي خسرت بسببها الكثير في أفريقيا؛ حيث ألغت المشروطية السياسية للمعونات، واستبدلت بها مشروطية المصلحة؛ كما رفعت مساعداتها لأفريقيا إلى ما يزيد عن 0.7% من دخلها القومي بدون ربطها بالديمقراطية.

3-  وجود عدم استقرار في أفريقيا يصعب من تطبيق الإستراتيجية الأمريكية؛ فأفريقيا مثقلة بالديون والفقر والمرض، كما أن الصراعات السياسية والعرقية ما زالت موجودة بدول القارة؛ حتى التي خمد منها يصعب ضمان عدم تفجره. يضاف إلى ذلك الرأي العام الأفريقي المناهض للولايات المتحدة في عدد من دول القارة؛ ويكفي الإشارة إلى المظاهرات التي خرجت في كينيا وتنزانيا والكاميرون لتعبر عن غضبها من الغزو الأمريكي للعراق.

على أي حال فإن وجود إستراتيجية أمريكية تصاحبها تطبيقات لا يعني ضمان نجاحها بشكل كامل. ومن كان يصدق أن المشهد الذي دخلت به القوات الأمريكية إلى بغداد رافعة شعار الانفراد بالكعكة، سيتحول إلى مشهد جديد تشرك فيه الولايات المتحدة الذين عارضوا الحرب، بعدما وجدت أن الانفراد بالعراق أمر صعب المنال. إلا أن القارة الأفريقية -ممثلة في منظماتها القارية والإقليمية وكذلك بعض الدول المحورية مثل مصر وليبيا والسنغال وجنوب أفريقيا ونيجيريا- مطالبة برؤية موحدة لمواجهة الإستراتيجية الأمريكية الجديدة؛ بحيث تصبح العلاقات الأمريكية الأفريقية على أساس التعاون المشترك الذي يستفيد منه الجانبان، بدلا من سياسة التهام الكعكة دون أن يكون لصاحبها حق فيها

 

 

الدول الأقل نموًا.. مشاكل بلا حدود!

 

عبد الحافظ الصاوي ـ باحث اقتصادي

لدى الدول النامية أمل في الخروج من حلقة التخلف التي تحيط بها منذ فترة طويلة، فبعضها حقق نجاحًا في العديد من مؤشرات التنمية؛ وإن كانت النتائج غير مرضية والفارق بينها وبين الدول المتقدمة كبيرًا، ولكن ماذا تفعل الدول الأقل نمواً التي تعاني من ضعف مواردها الاقتصادية والمؤسسية والبشرية؟؟ لا شك أن الأمل يتضاءل فيها إلى حد الاستحالة؛ فتلك الدول تفتقر إلى الأدوات التي تمكنها من تنمية اقتصادياتها الداخلية أو كفالة مستوى معيشة لائق لسكانها، كما أن اقتصاديات هذه الدول تتسم بالضعف الحاد أمام الصدمات الخارجية أو الكوارث الطبيعية.

وقد بلغ عدد الدول الأقل نموا عام 1997 طبقا لتصنيف الأمم المتحدة 48 دولة على مستوى العالم، نسبة سكانها 10.5% من إجمالي سكان (610.5 مليون نسمة). والملاحظ أن عدد هذه الدول تضاعف خلال العقود الثلاثة الماضية، من 24 دولة عام 1971 إلى 48 دولة من بينها21 دولة إسلامية مقابل 8 دول فقط في عام 1971.

معايير التصنيف

يقوم المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة كل ثلاث سنوات بتحديد قائمة الدول الأقل نموًا بناءً على ثلاثة معايير هي:

1 . انخفاض الدخل حسب قياسه وفقًا لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومعدل 800 دولار فيما أقل كنصيب من الناتج المحلي الإجمالي للفرد يؤهل الدول للانضمام للدول الأقل نموًا .

2 - ضعف الموارد البشرية حسب قياسه وفقاً لرقم قياسي مركب (وهو مؤشر نوعية الحياة المادية) يستند إلى مؤشرات العمر المتوقع عند الولادة، واستهلاك الفرد من السعرات الحرارية، ومعدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية، وإلمام الكبار بالقراءة والكتابة.

3 - انخفاض مستوى التنوع الاقتصادي حسب قياسه وفقاً لرقم قياسي مركب (وهو مؤشر التنوع الاقتصادي) يستند هذا المؤشر إلى حصة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، وحصة الأيدي العاملة في الصناعة ونصيب الفرد في السنة من استهلاك الطاقة، ومؤشر تركيز الصادرات السلعية.

وتندرج الدولة ضمن قائمة البلدان الأقل نموًا إذا حدث إخفاق في المؤشرات الثلاثة السابقة، بينما يحق لها أن تخرج من هذه القائمة إذا تخطت شروط اثنين من المعايير الثلاثة السابقة.

إذا كانت الأمم المتحدة قد اعترفت بالواقع المؤلم للدول الأقل نمواً في عام 1971، فإنها قد عقدت مؤتمرين فيما بعد لتحسين أوضاع التنمية لهذه البلدان في سبتمبر من عامي 1981 و1990 بباريس، ونظراً لأن ما تحقق من نتائج هذين المؤتمرين لم يكن ملموسًا؛ فقد دعت الأمم المتحدة لعقد مؤتمرها الثالث بهذا الشأن في الفترة من 14- 20 مايو 2001 في بروكسل. وسوف ينصب اهتمام المؤتمر علي الجوانب الآتية:

تقييم نتائج برنامج العمل الذي نفذته الأمم المتحدة لفترة التسعينيات على المستوى القطري.

استعراض تنفيذ إجراءات الدعم الدولية، وخصوصًا في مجالات المعونات الإنمائية الرسمية والديون والاستثمار والتجارة.

النظر في صياغة واعتماد السياسات والإجراءات الوطنية والدولية الملائمة، من أجل تحقيق التنمية المستديمة للبلدان الأقل نموًا وضمان تكاملها التدريجي مع الاقتصاد العالمي.

تراجع التسعينيات

تميز الأداء الاقتصادي للبلدان الأقل نموًا بعدد من المميزات تتمثل في:

ضعف الهيكل الاقتصادي:

بعد الارتفاع الذي سجّله معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بهذه الدول في منتصف التسعينيات بهذه الدول ليصل إلى 6.5% في عام 1995، عاد هذا المتوسط إلى التراجع بصورة مستمرة خلال النصف الثاني من العقد ليسجل نسبة 3.8 % في عام 1999؛ ولذلك فعلى الرغم من الزيادة المحققة في الإنتاج والتجارة العالميين خلال التسعينيات، لم يطرأ تغير يُذكر على حصة مجموعة البلدان الأقل نموًا من التجارة العالمية؛ إذ لم تتعد صادراتها نسبة 5, 0% من الصادرات العالمية، بينما لا تتجاوز وارداتها نسبة 6 ,0% من الواردات العالمية.. فالهيكل الاقتصادي الحالي لدول المجموعة ككل فشل في رفع مستوى النشاط الاقتصادي وزيادة العوائد التصديرية اللازمة للاستثمار الدائم وتوسيع نطاقه؛ مما أعاق تحقيق النمو بهذه الدول.

ضعف معدلات الادخار والاستثمار:

خلال النصف الثاني من التسعينيات أبدى الاتجاه العام في إجمالي المدخرات المحلية لمجموعة الدول الأقل نموًا بوادر زيادة معتبرة بالمقارنة بالمستويات المسجلة خلال النصف الأول من العقد؛ فقد ارتفع المتوسط السنوي لهذه المدخرات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 6.9% خلال الفترة 90-1995 إلى 9.1 للفترة من 95/1998.

وعلى الرغم من هذا الاتجاه الإيجابي فإن مستويات هذه المدخرات منخفضة بالمقارنة بما هي عليه لدى سائر المناطق والبلدان النامية، ويعزى هذا الانخفاض عمومًا إلى انخفاض دخل الفرد لدى بلدان المجموعة. كما يمكن القول بأن التزامات خدمة الدين تقوض قدرات تلك البلدان على حشد المدخرات المحلية، وتحول دون استفادتها من الموارد القابلة للاستثمار.

وبالنسبة للأداء الاستثماري لدول المجموعة ففي الفترة من 90-1994 وصلت نسبة الاستثمار المحلي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 15%، وزادت إلى 17.6% خلال الفترة في عام 1998، ولكنها لم تصل إلى المعدل الذي حققته عام 1980 وهو 19%، كما كان نصيب هذه البلدان من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 2% من إجمالي التدفقات إلى كافة الدول النامية في عام 1998، ويعني ذلك أن البلاد الأقل نموًا مستمرة في تسجيل مستويات شديدة الانخفاض من الاستثمار؛ مما سيؤدي حتمًا إلى استمرار تصنيفها ضمن هذه الفئة.

تخلف القطاع الزراعي وارتفاع معدلات نقص الغذاء:

تأتي الزراعة في قلب النشاط الاقتصادي للدول الأقل نموًا؛ إذ إنها تسهم بحصة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 33%، وتستخدم جزءًا هامًا من قوة العمل وتوفر الاحتياجات الغذائية الأساسية للمواطنين وتمثل المصدر الرئيسي للعوائد من النقد الأجنبي، وعلى الرغم من هذه الأهمية فإن الإنتاج الزراعي في هذه البلدان لا يزال متخلفًا، سواء من حيث تلبية احتياجات السوق المحلية أو من حيث التصدير؛ فقد ظلت معدلات نقص الغذاء مرتفعة بهذه المجموعة، فنسبة من يعانون من نقص الغذاء من إجمالي السكان بهذه البلدان وصلت إلى 38% بلا تغير خلال الفترة من عام 1979 – 1997. وفي المقابل انخفضت هذه النسبة لدى البلاد النامية من 28% إلى 15% خلال الفترة نفسها.

انخفاض معدلات التضخم:

يعتبر استقرار الأسعار وانخفاض معدلات التضخم عاملين أساسيين في تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي، وعلى مدار العقدين الماضيين طبقت معظم الدول الأقل نموًا سياسات مالية ونقدية تهدف إلى خفض معدلات التضخم، وظهرت نتائج هذه السياسات في عام 1998؛ إذ بلغ متوسط معدل التضخم 13.2%، بينما كان في عام 1995 بنسبة 50.5%، وفي عام 1999 زاد بنسبة صغيرة حيث وصل إلى 18.4%.

ضعف تدفقات الاستثمار الأجنبي وزيادة الديون الخارجية:

شهدت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول الأقل نمواً زيادة طفيفة خلال النصف الثاني من التسعينيات من 8 , 0 مليار دولار في عام 1994 إلى 2.9 مليار دولار في عام 1998، ولا يمثل هذا المبلغ سوى نسبة 1.7% من إجمالي هذه التدفقات إلى البلدان النامية في عام 1998 بوجه عام، ونسبة 8 ,0% في عام 1994. وقد اضطر هذا الوضع البلدان الأقل نمواً إلى الاستمرار في الاعتماد على الاقتراض من الخارج لتمويل العجز في موازين الحساب الجاري ولتمويل مشاريعها التنموية.

والديون الخارجية لهذه الدول وصلت إلى 146.6 مليار دولار في عام 1995، ثم شهدت انخفاضًا في عام 1997 لتصل إلى 140.8 مليار دولار، ثم عاودت الارتفاع إلى 148.3 مليار دولار في عام 1998.

الجدير بالذكر أن مبادرة إسقاط ديون البلاد الأشد فقراً التي أطلقت في عام 1996 لم تلق نجاحًا يُذكر؛ نظرًا لاعتراض الدول المتقدمة على إسقاط هذه الديون.

تراجع المعونات الإنمائية الرسمية:

منذ بداية التسعينيات والدول الأقل نموًا تشهد تراجعًا في إجمالي التدفقات المالية، وخصوصًا في النصف الثاني من التسعينيات ففي عام 1990 كانت هذه التدفقات نحو 16.9 مليار دولار، وصلت في عام 1995 إلى 16.2 مليار دولار، ثم إلى 15.1 مليار دولار في عام 1997، مثلت التدفقات المالية الرسمية نسبة 90% في عام 1997 من إجمالي التدفقات المالية إلى هذه الدول بالمقارنة بنسبة 94.7% في عام 1990. وفي الغالب تكون التدفقات الرسمية في صورة معونات إنمائية، ولم تستطع الدول الأقل نموًا أن تُعوِّض التراجع في التدفقات الرسمية عن طريق قنوات التمويل الخاصة؛ إذ ظلت تدفقات مصادر التمويل الخاصة لهذه الدول متواضعة، إذ بلغت في عام 1997 نحو 1,1 مليار دولار.

إجمالاً يمكن القول بأن ارتفاع معدلات نمو السكان وضعف القدرة الإنتاجية واستمرار ضغوط خدمة الدين الخارجي.. كل ذلك أدى إلى انخفاض مستويات التنمية الاجتماعية والبشرية، واعتباراً من عام 1998 تمثل البلدان الأقل نمواً أربعة أخماس البلدان المصنفة ضمن فئة المؤشر المنخفض للتنمية البشرية في تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وقد برزت مجموعة من العوامل الداخلية والعالمية التي كان لها الأثر السيئ على واقع التنمية بهذه البلدان؛ فعلى الصعيد المحلي تضمنت هذه العوامل سوء تصميم وإدارة السياسات الاقتصادية الكلية، ونشوب الصراعات السياسية، وهبوط مستوى أداء قطاع الزراعة، ونقص الأطر القانونية والمؤسسية المناسبة.

وعلى الصعيد العالمي شكّلت تطورات، مثل: تزايد وتيرة العولمة، وتحرير التجارة، واستمرار الانخفاض في حجم تدفق المعونات الإنمائية الرسمية، وارتفاع مستويات المديونية الخارجية -تحديات كبرى أمام تحقيق التنمية بهذه البلدان.

عداء للإسلام أم علمانية فقدت عقلها؟

د. عمرو الشوبكي

ربما لم تثر قضية جدلا ثقافيا وسياسيا داخل فرنسا وخارجها مثلما أثارت قضية منع الحجاب في المدارس الفرنسية العامة؛ فقد تعدى الجدل حيز الحجاب ومشكلات العلمانية الفرنسية؛ ليصل إلى ساحة الصراع بين الإسلام والغرب، والعداء العنصري ضد العرب والمسلمين. وغابت كثير من الجوانب المتعلقة بفهم طبيعة السياق الثقافي والسياسي الذي نوقشت في إطاره مسألة الحجاب التي أثارت مشكلات تتعلق أساسا بطبيعة -وربما أزمة- النموذج الفرنسي أكثر منها مسألة تتعلق بمحاربة الإسلام.

خصوصية في العلمنة والاندماج

استهدف النموذج العلماني الفرنسي منذ تبلور أبعاده السياسية عام 1905 الفصل بين المؤسسات العامة -المدارس والهيئات الحكومية- والدين بكافة مظاهرة الثقافية، على اعتبار أن الدولة الفرنسية هي دولة علمانية، وبالتالي لا يفترض أن تنفق من أموال الضرائب التي يدفعها المواطن -الذي اختار بحريته نظامه السياسي- على المؤسسات الدينية، وأيضا لا يفترض أن تضع المؤسسات العامة التي تمثل هذا المواطن أي مظهر ديني على جدرانها.

ومن هنا سنجد أن المدارس العامة في فرنسا والمجالس البلدية ومقر العمد والهيئات الحكومية المختلفة لا تسمح بوجود صلبان أو صور للسيدة مريم أو للسيد المسيح على أي مؤسسة عامة، على خلاف معظم الدول الأوربية التي تسمح بوجود مثل هذه المظاهر، والتي لا ترى فيها تعارضا مع قوانينها الديمقراطية. كما أنه من المستحيل أن تبدأ هيئة عامة أو محلية في فرنسا حديثها بتلاوة بعض آيات الإنجيل أو إدخال أي أحاديث وعظية قبل بدء اجتماعاتها، كما يحدث في كثير من المجتمعات الأوربية الأخرى التي كثيرا ما يبدأ السياسيون والقيادات المحلية حديثهم بذكر أحاديث دينية دون أن تثير أي حساسيات.

وقد أدت معركة بناء النموذج العلماني الفرنسي مع الكنيسة الكاثوليكية إلى فك الارتباط بين الدولة والكنيسة التي لم تخلُ من كثير من الاحتقانات والمصادمات الفكرية والسياسية العنيفة طوال النصف الأول من القرن الماضي.

وقد ثبتت فرنسا في دستور 1946 ثم في دستور 1958 مبدأ العلمانية؛ باعتبارها ركيزة من ركائز الديمقراطية والنظام السياسي الفرنسي، وشددت عليها كقيمة عليا تحكم حركة المجال الاجتماعي والسياسي العام.

وقد توازى مع هذا النموذج العلماني قيمة أخرى هي قيمة الاندماج؛ فالنموذج الفرنسي ينطلق من ضرورة كسر التجمعات العرقية والدينية، ويعطي لها هامشا أقل من التعبير الثقافي المستقل عن نفسها مقارنة بالنموذج الأنجلو أمريكي؛ فمن الصعب أن نجد في فرنسا كنائس مغلقة على السود أو على الآسيويين فقط، كما لا ينظر هذا النموذج بعين الراحة لهؤلاء المسلمين الذين يرتدون أزياءهم التقليدية أثناء ذهابهم إلى المساجد أو أثناء سيرهم في الشوارع، ويعتبر أن التماهي -وأحيانا التطابق مع قيم النموذج الفرنسي- يكسر أولا الانغلاق العرقي، ويعطي ثانيا فرصا كبرى لأبناء هذه الجاليات في الترقي داخل السلم الاجتماعي والسياسي بإعطائهم فرصا متساوية عن طريق دمجهم في قيم الجمهورية الفرنسية، وليس من خلال بقائهم في تجمعات عرقية مغلقة.

ورغم أن قيم الثورة الفرنسية في الحرية والمساواة والإخاء حارسة لهذا النموذج "الإدماجي" في فرنسا؛ فإن من المؤكد أن هذه القيم لم تمثل عصا سحرية حلت جميع مشكلات الأجانب في البلاد وخاصة المسلمين منهم في فرنسا؛ فقد تعرض بعضهم لمظاهر من التهميش الاجتماعي بسب أصوله العرقية أو الدينية -وإن ظلت أقل كثيرا من عديد من البلدان الأوربية- كما عانى بعضهم من حوادث عنصرية دفعت الرئيس شيراك في خطابه الأخير في 17 ديسمبر إلى أن يشير إليها بصورة واضحة وشجاعة.

وهنا تكمن المعضلة

ولعل معضلة العلمانية الفرنسية تكمن هنا؛ فمنطلقاتها النظرية أكثر رغبة في تحقيق المساواة بين مواطنيها من النموذج الأنجلو سكسوني وخاصة في طبعته الأمريكية؛ حيث يعترف بدور الأعراق والأديان المختلفة في الوجود والتعبير عن نفسها (الملبس واللغة والشعائر الدينية) بكافة صورها المتطرفة وغير المتطرفة، وبطريقة تبدو كأنها لا تعني النخبة السياسية الأمريكية التي اعتبرت عادة أن بقاء هؤلاء المواطنين ذوي الأصول الأجنبية داخل حدود واقعهم الثقافي وتجمعهم العرقي المغلق لن يتيح لهم الارتقاء في السلم الاجتماعي والسياسي، وهو ما اعتبرته قضية اختيار فردي وليس قضية دولة ومؤسسات.

أما في الواقع العملي فالعلمانية الفرنسية بدت وكأنها ترغب في تنميط المجتمع على صورة واحدة تفقده حيويته المعتادة، وتساوي بين الدمج والتطابق؛ فالأولى تعني إعطاء فرص متساوية للجميع، وتطالب المواطنين بالالتزام بنفس الحقوق والواجبات. والثانية تفقدهم حريتهم بفرض نمط معيشة "موحد"، وتأميم القناعات الثقافية التي يؤمنون بها لصالح أمثولة واحدة، تجعل -عمليًّا- النموذج الفرنسي في صورة يبدو فيها أقل تسامحا من البلدان التي أعطت مشروعية للتعبير الثقافي المستقل للتجمعات العرقية.

ويمكن القول بأن النموذج الفرنسي شيّد نظاما علمانيا صارما، بدا في كثير من الأحيان عاجزا عن التطور والانفتاح على الواقع الجديد، سواء في داخل فرنسا أو خارجها، وخلط بين قيمة المدنية والديمقراطية العريقة والإنسانية وبين الميل نحو تقديس نصوص علمانية، بدا أن استمرارها يحتاج إلى قوانين جبرية تقيد من الحرية الفردية للأفراد التي هي جوهر أي نظام ديمقراطي، وتقارنه بعلمانية يحرسها الجيش في تركيا أو الشمولية في تونس.

والحقيقة أن مسألة منع الحجاب في فرنسا تأتي في إطار هذه "الأصولية العلمانية" التي بدلا من استهدافها "للأصولية الدينية" استهدفت قطاعا من المسلمين الفرنسيين، وقطاعا أكبر من الرأي العام داخل البلدان الإسلامية بقرارها منع الحجاب من المدارس العامة.

وقد امتد الجدل حول مسألة الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة إلى أكثر من عقد من الزمان، خاصة حين أقدم بعض مديري المؤسسات التعليمية على منع عدد من الطالبات من الدخول إلى فصول الدراسة نتيجة ارتدائهن للحجاب، على اعتبار أنه يمثل "رمزا دينيا"؛ وهو ما يتعارض مع القوانين العلمانية الفرنسية التي تنظم أوضاع المؤسسات العامة.

وقد أثيرت ضجة كبيرة حول هذه القضية، خاصة بعد إقدام بعض المدارس على فصل هؤلاء الطالبات في ظل غياب قانون واضح ينص على منع الحجاب من المدارس، ولعل هذا ما دفع بالحكومة الفرنسية إلى إعداد نص قانوني يمنع المظاهر الدينية الواضحة واللافتة في المدارس العامة، التي تتضمن القلنصوة اليهودية والصلبان الكبيرة والحجاب.

ورغم أن القانون من الناحية العملية لا يستهدف فقط الفتيات المسلمات المحجبات فإنه بلا شك لم يكن سيخرج إلا نتيجة وجود هؤلاء المحجبات؛ حيث اعتبر أن وصولهن إلى حوالي 1200 حالة من أصل حوالي 13 مليون طالب وطالبة في المدارس الفرنسية يمثل "خطرا" على العلمانية الفرنسية، ودفع الحكومة الفرنسية إلى إعداد قانون لعرضه على البرلمان في بداية العام المقبل، ينص على منع الحجاب من المدارس العامة؛ وهو ما دعمه الرئيس شيراك في خطابه الأخير؛ بما يعني أن فرص تصويت البرلمان الذي يتمتع فيه الرئيس بأغلبية مطلقة باتت مؤكدة.

جمود علماني متجدد!

ولعل معضلة معالجة قضية الحجاب في فرنسا ترجع في جانب رئيسي منها إلى جمود النموذج العلماني الفرنسي، و"ابتكاره" لأساليب متعددة من أجل أن يخسر المنافسة مع نظيره الأنجلو سكسوني؛ فصورة المدارس العامة والخاصة في بريطانيا والولايات المتحدة التي تسمح دون أدنى اعتراض أو تحفظ بارتداء الحجاب باتت أكثر تسامحا وانفتاحا من النموذج الفرنسي الذي لا يرغب في تطوير علمانيته الجامدة، وقبولها درجة من التنوع الداخلي داخل المجتمع الفرنسي لا تجعل الجميع مبرمجين على نموذج قيمي واحد، خاصة أن المطلوب هو درجة كبرى من الانفتاح على سلوكيات ثقافية مختلفة لا يتعارض التعبير عنها مع قيم العلمانية أو النظام الجمهوري.

فليس المطلوب أن يضع المسلمون في المدارس الحكومية آيات من القرآن الكريم على مقاعد الدارسة، ويضع المسيحيون واليهود كتبهم المقدسة على أبواب الفصول وبوابات المدارس؛ فسيظل هذا الحيز العام علمانيا وفق القانون، ووفق القواعد التي ارتضاها الشعب الفرنسي كدستور ينظم حياته السياسية والاجتماعية والثقافية، وهذا يختلف تماما عن أن يسمح بأن يعبر كل شخص عن قناعته الدينية والثقافية بالصورة التي تساعده على الاندماج في المجتمع الفرنسي، لا العزلة عنه.

الخبرة تخالف النظرية

ولعل المعضلة الحقيقية في هذا الفهم أنه يعكس في الحقيقة حكما نمطيا آخر يروج له عادة الإعلام الغربي، ويتمثل في كون "المواطن الصالح" هو بالضرورة هذا المواطن الذي يعيش حياته العامة والخاصة مثل الأوربيين؛ يلبس ويأكل ويشرب مثلهم، وأن يكون بعيدا عن العقل الديني الغيبي حتى يكون ديمقراطيا وحديثا. والحقيقة أن مثل هذه التقسيمات من الصعب قبولها على إطلاقها؛ فكثير من المثقفين والدبلوماسيين الأوربيين الذين عملوا في بلدان عربية وإسلامية أو تفاعلوا مع ثقافات أخرى آسيوية أو إسلامية اكتشفوا من خلال خبرتهم أن هذه المقولة غير صحيحة دائما؛ فكثير من أبناء هذه المجتمعات يعيشون بمظهر تقليدي في زيهم، ولكنْ لديهم تفكير حداثي ومنتج وراغب في المشاركة والمساهمة بإيجابية وعصرية في كل أوجه الحياة داخل مجتمعه، على عكس كثير ممن يبدون في مظاهر غربية، ولا يحملون من الغرب إلا المظهر الخارجي، ويتركون قيمه في الديمقراطية والعمل والإنتاج.

والحقيقة أن النظر إلى هؤلاء المحجبات في فرنسا باعتبارهن "مصدر تخلف"، وأنهن مثال على فشل النموذج الفرنسي في الاندماج يعني في الحقيقة تمسكا بتلك النظرة المغلقة في التعامل مع التعبيرات الثقافية الأخرى، ويحمل حكما قيميا؛ لأنهن اخترن ارتداء الحجاب كتعبير عن قناعة دينية، وبالتالي فهن "نموذج فشل" ولسن طاقة نجاح، رغم أن كثيرا منهن يمثل وجها إيجابيا للمسلمين في فرنسا؛ فمعظمهن اختار بمحض إرادته أن يرتدي الحجاب في ظل مجتمع يدفع نحو تخفيف كل ما أمكن من الملابس، وليس نتيجة قانون كما يحدث في بعض البلدان الإسلامية، أو "موضة" كما في بعض البلدان الأخرى، ولا يعبر ارتداؤه عن قناعة حقيقية. وهن أيضا أكثر مساهمة في تطوير المجتمع الفرنسي من نظيراتهن من بعض العربيات والمسلمات اللائي انحرفن إلى الجريمة والمخدرات، أو صرن عبئا حقيقيا على المجتمع نتيجة عدم رغبتهن في دخول تحدي التعليم والمنافسة رغم "مظهرهن الفرنسي"؛ لأنهن اكتفين بالقول: إنهن مجرد ضحايا للعنصرية والتعصب.

وقد دخل الإعلام الفرنسي -وخاصة المرئي- في حالة حرب مع "الفتيات المحجبات"، وليس مع نماذج الفشل الحقيقية لأبناء المهاجرين الأجانب في البلاد؛ فقد ربط بينهن وبين الأصولية المتطرفة وثقافة العنف والإرهاب، وحمل على ظهورهن مسئولية كل مظاهر الفشل التي عاشتها كثير من المجتمعات الإسلامية من طالبان أفغانستان إلى قاعدة بن لادن؛ ليعمق من ثقافة الخوف داخل المجتمع الفرنسي المنفتح بطبعه، وبصورة باتت محزنة أمام كثير من المراقبين.

فالمدهش أن عدد هؤلاء الفتيات لا يتجاوز الـ1200 وبقاءهن في مدارس الدولة الفرنسية يعطي قوة هائلة وحيوية كبيرة للنموذج الفرنسي ولصورته في الخارج، خاصة أن العلمانية في فرنسا غير مهددة، وأن النظام الفرنسي أكثر رسوخا وقوة مما يعتقد بعض من في النخبة الفرنسية، بل وما زال لدية قدرة على أن يستمر في رسالته الإنسانية إلى العالم كله، وأن يستكمل ما بدأه في رحلة بناء "البديل الأوربي" للنموذج الأمريكي، بشرط أن يعدل بعض مفاهيمه ويدمج في علمانيته الصارمة مسألة احترام الحرية الدينية، ويضعها على نفس مستوى احترام القوانين الديمقراطية والمدنية، كما هو حادث في كل المجتمعات الديمقراطية

 

حي على الفشل..!

عبد الواحد أستيتو

هل هناك من لا يريد النجاح في هذه الحياة؟ ستستغرب لو قلت لك إن الكثيرين جدا بيننا لا يريدون النجاح، بل ويرغبون في الفشل وربما لا يدركون ذلك. في داخلهم خوف مبهم من النجاح لذا تجدهم يفضلون دائما الوقوف خلف "الحيطان" عقلهم الباطن رافض، وبشدة، لفكرة النجاح وما يتبعها من مسؤوليات ومحافظة على هذا النجاح. لذا اسأل نفسك بصدق: كم مرة أردت الفشل وبررت ذلك بمئات الأعذار الواهية؟

ضع ورقة أمامك واكتب الجواب، واحرص على أن تكون وحيدا وعلى أن يكون الجو هادئا، وغالبا ما تتوفر هذه الشروط ليلا أو في الصباح الباكر. أكرر: كن صادقا مع نفسك، فالاعتراف بالأخطاء هو أول خطوة نحو القضاء على هذه الأخطاء. ستكتشف - وأنت تجيب - أنك كثيرا ما رفضت عروضا وتجنبت أخرى وفررت من ثالثة مدعيا أن هذه لا تناسبك وأن الأخرى راتبها قليل وأن الثالثة لا وقت لديك للتفرغ إليها.

هذه مجرد أمثلة بالطبع لما قد تكون عليه إجاباتك، لكن الفرق الآن أنك تدرك أنك كنت "مدعيا" ولم تكن أسبابك حقيقية في تجنب الفرص التي أتيحت لك. إن إرادة الفشل تغزو بسرعة كبيرة العقل الذي لا يمتلئ بالرغبة المتوقدة في النجاح. إن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تملأها بإرادة النجاح وجدت إرادة الفشل تحل بدلا عنها، إن عقلك الباطن لا يميز بين الصالح والطالح وهو كالمغناطيس يجذب كل ما يحيط به، والمشكلة أنك قد تكون في غفلة من ذلك بينما كم هائل من المشاعر السلبية يجتاح عقلك الباطن.

والعكس صحيح فكلما داومت على مجالسة الناجحين والمتفائلين وكنت في بحث دائم عن كل ما يثير حماستك للعمل والنجاح فإنك ستجد آلاف الأشياء التي لها علاقة بالنجاح تأتي إليك طوعا منجذبة بقوة العقل الباطن الذي وصفناه بأنه مغناطيس.

ذبذبات الفشل

إن ذبذبات الفشل تمر من عقل إلى آخر بسرعة كبيرة، والشخص الذي لا يكف عن الحديث معك عن الجرائم وعن الإحباطات وعن الأوضاع البائسة التي لن تتحسن سيجعلك بعد لحظات تفكر بنفس تفكيره وستجد سحابة من الكآبة والحزن تجتاحك دون أن تدري لماذا. والحقيقة الثابتة أن المؤثرات السلبية تترك أثرا هداما في النفس لا مناص منه سوى الهروب منه وكأنه مرض خطير ومعدٍ.

إن الراغبين في الفشل -على عكس ما قد يتخيل البعض- كثيرون، وهم ثرثارون وقادرون على تبرير رغبتهم في الفشل. أعرف شخصا عُرض عليه منصب مميز في شركة كبيرة، ورغم أنه كان عاطلا وقتها فقد رفض العرض متعللا بعدة أسباب تثير الشفقة في الحقيقة، كان يقول: القطاع الخاص غير مضمون بالمرة. إنهم قادرون على طردك متى عنّ لهم ذلك، كما أنهم يعاملون الموظفين كالعبيد ويهضمون حقوقهم. أنا أريد العمل في القطاع العام.

إن الجبن رفيق الفشل، وهو يتدخل في أحايين كثيرة ليقطع عليك طريق النجاح أو العمل، لذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجبن في الدعاء المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل ومن غلبة الدين وقهر الرجال). إن صديقنا الذي رفض العرض لو كان صادقا مع نفسه لقال قولا آخر: أنا خائف من هذا العمل لأنه مسؤولية وأنا عاجز عن تحملها، كما أنني خائف من عدم قدرتي على شغل هذا المنصب كما ينبغي، كما أنني أخشى أن ينهروني إن أخطأت.

عزة النفس المبالغ فيها أيضا قد تكون من الأسباب الخفية للرغبة في الفشل، فكم من واحد أضاع فرصة عمل ممتازة لمجرد أنه يخشى أن يراه الناس وهو في موقف لا يريدهم أن يروه فيه. ألم يكن أولى بصاحبنا السابق أن يتوكل على الله وينطلق في العمل ويقول لنفسه: أنا لها، وسأكون كفؤا لهذا المنصب، وسأجعل المسؤولين يرضون عني ولن يكون بإمكانهم الاستغناء عني لما سأقدمه من عمل جاد وأمانة وتفوق في مجالي.

فحتى لو افترضنا أن كل المساوئ التي ذكرها في بادئ الأمر صحيحة فإنه سيغيرها إن فكر بالطريقة الأخيرة.

فالإنسان هو ما يعتقد في نفسه. فإن ظننت أنك غير كفؤ لن تكون كفؤا، وإن اعتقدت أنك ستنجح في عملك فستنجح حتما لأنك واثق من ذلك.

دور الإيحاء

إن الإيحاء يلعب دورا قويا في التغلب على الفشل وتوابعه، فنحن لا ننتظر من شخص يقول عن نفسه إنه فاشل أن يصبح ناجحا أو متفوقا، هذه معادلة مستحيلة التحقيق. والعكس صحيح، فلو أقنعت نفسك أنك ناجح وقوي ومقدام فستصبح كذلك بالفعل. لكن كيف يتحقق ذلك؟ سيتحقق بعمل واحد: اقهر مخاوفك، حاربها، اعتبرها عدوك الذي يريد أن يطرحك أرضا. ولا بأس أن تردد لنفسك عكس ما تظنه فيها.

مثلا لو كنت تعتقد أنك شخص جبان فردد بينك وبين نفسك: أنا شجاع. رددها وأنت تنفذ العمل الذي كان يثير اقتحامه المخاوف في نفسك، رددها وأنت مؤمن بها. قد تجد صعوبة في بادئ الأمر لكنك - وأنت تلاحظ النتائج - ستستلذ التجربة وستمارسها مع كل عيوبك الأخرى حتى تقهرها بإذن الله. وخير مثال على مبدأ الإيحاء هذا هو الصلاة، فأنت تردد في كل مرة سورة الفاتحة التي تجدد بها حمدك لله وتؤكد عبادتك لله واستعانتك به ثم تدعو بالهداية.

مواصفات الفشل والنجاح

وأضع القارئ هنا أمام مقارنة قام بها علماء النفس توضح لنا جليا الفرق بين تفكير شخص يريد النجاح وآخر يريد الفشل:

فالذي يريد النجاح:

- يلتزم بتعهداته.

- يدرس المشاكل التي تواجهه جيداً.

- يحترم غيره من المتفوقين ويسعى للتعلم منهم.

- يعرف متى تكون المواجهة ومتى تقبل الحلول الوسط.

- يشعر بالمسؤولية حتى خارج نطاق دائرته.

- لا يتهيب كثيراً من الإخفاق أو الخسارة.

- قنوع ويسعى نحو الأفضل.

- يفضل احترام الناس لمواقفه على حبهم لشخصه وإن كان يسعى لتحقيق كليهما.

- يعترف بأخطائه إن أخطأ.

- يعبر عن اعتذاره بتصحيح الخطأ.

- دؤوب في عمله ويوفّر الوقت.

- يتحرك بخطى محسوبة.

- يتمتع بثقة في النفس تجعله دمثاً.

- يوضح الأمور ويفسرها.

- يبحث عن سبل أفضل للعمل.

- دائم البحث والتنقيب وحب الاستطلاع.

أما الذي يريد الفشل فـ:

- يُطلق الوعود جزافاً.

- يلف ويدور حول المشكلة ولا يواجهها.

- يمقت الناجحين ويترصد مثالبهم.

- يرضى بالحلول الوسط في الأمور الأساسية ويواجه في الأمور الفرعية التي لا تستحق المواجهة.

- لا يهتم إلا بمحيط عمله الضيق فقط.

- يتوجّس في قرارة نفسه من النجاح.

- يتبجح بأن هناك من هم أسوأ منه حالاً بكثير.

- يسعى لاكتساب محبة الناس لشخصه أكثر من إعجابهم بمواقفه ومستعد أن يتحمل بعض الازدراء ثمناً لذلك.

- يتنكر للخطأ قائلاً: هذه ليست غلطتي أنا.

- يعتذر ثم يعيد ارتكاب نفس الخطأ.

- كسول ومضيع للوقت.

- يتحرك بسرعتين فقط: سرعة جنونية وأخرى بطيئة جداً.

- يفتقر إلى الدماثة، فهو إما أن يكون خنوعاً وإما مستبداً على التوالي.

- يغلف الأمور ويشوشها.

- يتحفز للكلام بلا هوادة.

- مقلد، ويتبع الروتين باستمرار.

- بليد ومثبط للعزائم.

تابع: كيف أحقق هذا النجاح؟

والجواب: حدد هدفك. ورغم أن الجواب يبدو محبطا ومقتضبا فإنه يحمل في طياته جل معاني النجاح. كيف ذلك؟ الكثيرون منا يعيشون حياة متخبطة لغياب الهدف.. إن من لا هدف له في الحياة هو لاعب تم وضعه في الملعب دون شباك يسجل فيها. الكثيرون جدا يسيرون في الحياة هكذا، برتابة، بروتين، بلا هدف، يتركون أمواج الحياة تقود مركبهم دون أن يحاولوا استعمال الأشرعة للتحكم في اتجاهه. حياتهم اليوم هي نفسها قبل سنوات، لا نقلات مادية ولا معنوية، لا دفقات طموح ولا غيرها.

المشكلة أن إجابات الفاشلين على سؤال: ما هدفك؟ مثيرة ومخيبة للآمال.. وهي: لا أعرف. إن عدم وجود هدف في الحياة هو كارثة حقيقية؛ لأن الهدف هو الدافع الذي يجعلك تتحرك في الحياة بوضوح وإصرار ومثابرة.

تمعن معي في هذه المقولة الهامة جدا: "إنك بمجرد أن تحدد أهدافك تكون قد نبهت نظام التنشيط الشبكي، حيث يصبح هذا الجزء من المخ مثل المغناطيس، يعمل على اجتذاب أي معلومة، أو ينتهز أي فرصة يمكن أن تساعدك على تحقيق أهدافك بسرعة أكبر".

وضوح الهدف يجعل صاحبه واثقا لا يعبأ كثيرا بزلاته وسقطاته ويعتبرها ضرورية في طريقه، والأروع من هذا هو عملية اجتذاب المعلومات والفرص التي لها علاقة بهدفه والتي قد تقع عن إرادة منه حينا، وعن غير إرادة منه أحيانا كثيرة.

تأمل معي في الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول لعمه أبي طالب: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الدين ما تركته، حتى يظهره الله على الدين كله أو أهلك دونه"، لقد كان ما عرضه عليه كفار قريش كافيا لتشويش الهدف تماما، لكن هدف الرسول صلى الله عليه وسلم كان أكثر من واضح ولا يقبل التنازل ولا الجدل، والاختيار كان واضحا ولا مساومة فيه.

أيضا تأمل هذا المثال، فكلنا شاهدنا في طفولتنا قصة الطفلة "أليس" التي كانت تسير يوما فالتقت بأرنب وسألته بعد أن وقفت في ملتقى طرق:

أي الطرق أسلك؟

فسألها الأرنب: أين تريدين الذهاب؟

أجابت: لا أعرف.

فقال لها الأرنب: إذن، لا يهم أي الطرق تسلكين!!

إن من لا هدف له لا يهم أين يتجه أو يذهب!!

كيف تحدد الهدف

وقد يسأل البعض: كيف أحدد هدفي؟ أنا لا أعرف ماذا أريد؟ نقول له: بل تعرف، لكنك لا تريد أن تعرف. المدة التي أمضيتها بلا هدف مختبئا في قوقعتك جعلت هالة من الضباب تحيط بهدفك. والخطوة العملية الأولى هي كتابة قائمة بأهدافك كلها على ورقة. ولا تستهن بأيها.. اكتبها جميعا: صغيرها وكبيرها.. هينها وصعبها. إن كتابة الأهداف ستوسع كثيرا من مدى تفكيرك.

والأهم هو ألا تشغل نفسك كثيرا بكيفية تحقيقها فذلك ليس مطلوبا منك في الوقت الحالي، وإن أنت ركزت عليها فلن تكتب شيئا لأنك ستقيدها بقدرتك على تحقيقها، التي قد لا تكون في الوقت الحالي كافية.

وقد تتساءل: لماذا إذن أكتب قائمة بأهدافي الحقيقية؟! إنك وأنت تكتب أهدافك وتضعها أمامك على الورق رأي العين، ستبدأ في رؤية فرص جديدة في الحياة لم تكن تراها من قبل، وستجد نفسك منجذبا لا شعوريا تجاه هذه الفرص، وستبدأ في تنمية قدراتك لكي تأخذك خطوة بخطوة نحو تحقيق أحلامك

 

"الشباب والوقت الضائع"

 

والوقت كالسيف إن لم   تقطعه قطعك ”  

شبابنا أ نتم  قادة المستقبل لما ذ ا إلا تستغلوا وقتكم بعمل مثمر أو تحرصوا على الاستفادة من وقتكم, ضاع العمر سدي لقد أ صبح  شباب اليوم في مجتمع صوماليلاند البعض منهم لا يهتمون بوقتهم وطريقة  الاستفادة منه بدل تضيع وقتهم بالتفاهات.

نرى كثير من الشباب ليس لهم هدف في الحياة أين الأهل عنهم لماذا لا ينصحونهم أو لم تعد النصيحة  قيمه في هذا العصر  لماذا لا يستفيدون من وقتهم  فالحياة قصيرة  أم أصبحت الحياة لا معني لها ؟

هناك ظاهرة معروف لدي  الشباب بصفة عامه وهي :

 -  أضاعة وقتهم  بالتحدث بالهاتف ساعات طويلة مع الفتيات بأحاديث فارغه .

- والبعض منهم يجلسون في المقاهي  الانترنيت والمقاهي الشعبية والمطاعم ساعات طويلة  بعرض

 أضاعه  وقتهم .

- ونرى كثير يعيشون حاله اللاوعي عندما ينتهون من أكل القات .

- فمنهم من يعشون حاله من  الفوضوية الفكرية  مما يكدره ويشتت ذهنه.

- فبدل  الجلوس و انتظار المصير عليك أن تجتهدوا وتبحث عن عمل يشغل فراعك  واذا كنت

طالباٌ  فأجتهد في دروسك فثمرة الاجتهاد هي النجاح والنجاح  يصل بك إلي التفوق.

نصيحة اخوية ان تقوم باعمال مثمرة بدلاً من هذا الاسترخاء القاتل لانه إنتحار بطيء .

والفراغ اشبه بالتعذيب البطيء فالراحة غفلة وعقلك يصبح كالفريسة الممزقة .

واني لك من الناصحين . وكل عام وانتم بخير

النورس الرحال.

 

اخي ... صاحب الدش

 

ليس من الغريب في الاونة الاخيرة ان ترى مال لم تراه قبل قرن لدهشت فيه , ولما صدقته , ولكن في هذا العصر الحديث تظن انه اوصى للناس بالاجتهاد , فتجده في كل بيت ومركز تجاري وغيرها .

فبكثرة خطورته وقلة منتفعته احببت ان اوجه اليك هذه المقالة الموجزة لاتحاور معك في موضوع اظن انه ليس جديداً عليك بل اخشى ان يكون مما الفته عينيك . موضوع ربما وقف منه بعض الناس منذ بداية طرحه موقف الرفض ,فلا يريد ان يسمع فيه شيئاً فذلك الذي اشاع وجهة شن مواجهة الحقيقة , ويريد ان يعيش سادراً في غفلته وحاشاك ان تكون مثله وانت واقفا عند كتاب الله وسنة نبيه (ص) كما كان عمر رضي الله عنه .,

ولذلك سافترض انك احد ثلاثة :

اما اولهم فهو الذي عافاه الله من درن هذه المعصية التي سوف يدور الحديث حولها . واما الثاني فهو الذي لم يلوث بيته بها , ولكنه على شفا جرف اخشى ان يكون جارياً يريد ان ينهار به . واما الثالث فهو الذي اريد منه اذناً صاغية , ونفساً هادئة اعلمت هذا الثالث ؟ انه اخونا الحبيب الذي استدرجه الشيطان – ربما دون ان يشعر – فرفع رايته السوداء على منزله , في شكل صحن معدني , يقال له ( الدش) .

هذه الالة الصماء التي تنطق جهاز التلفاز بكل لغات العالم وتنقل اكثر ما يدور في العالم ممزوجة بالوان مغرية من الرذائل والسموم التي تهدف الى تحطيم الشخصية الانسانية والهبوط بها الى دركات الحيوانية المبتذلة .

عفواً , صاحب لدش لا اريدك ان تفر عينيك او بقلبك عن حديثي فان المؤمن المحب لله تعالى قريب الى الحق وان كان حراً في مذاقه , ولكن اخي القارئ لاشك ان هذا الصحن آلة يمكن ان تستعمل في الخير كما يمكن ا تستعمل في الشر وغالباً ما .

فهل سألت نفسك لماذا تستعمله ؟ هل في استقبال القرآن الكريم والمواعظ والدروس النافعة فقط ؟ ام ان غالب استعماله في استقبال الاغنيات الماجنة , والافلام الدعارة والمناظر الفاتنة ؟ ام انك من هم الذين يزعمون انهم حريصون فقط على متابعة الاخبار الخالية من صور الفتنة , والاصوات المحرمة ؟

اخي لا تغتر بكثرة الهالكين , ولا تتوحشن قلة المهتدين , فما اكثر الناس ولو حرص الانبياء والدعاة بمؤمنين , واياك .. اياك ان تصغى لمن حرص يحاول ان تكون من زمرته من الشياطين واوليائه فان اولياء الشيطان عرضوا الكفر التصريح عبر قنوات التنصير , وبذلوا فيها بلايين الدولارات ليغزوا عقيدة هذه الامة المغلوبة على فكرها ومكتباتها الثقافية .

فهل تكون من اهل الفكر السليم ؟ وهل تكون من الذين يستمعون فيتبعون احسنه ؟

حسن حسين ورفاء .                              

 

الحرب الوقائية والاستسلام الوقائي

 

بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

يمتاز الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي بالقدرة على الإثارة دائما. ورغم ما يوصم به الرجل عادة من عدم تركيز يبلغ عند البعض حد الجنون فإنه ليس بالرجل الغبي أو المجنون على الإطلاق. وإذا صح عن القذافي ما يقول خصومه فلعله من "عقلاء المجانين" على مذهب ابن حبيب مؤلف الكتاب المعنون بهذا العنوان.

لكني أعتقد أن الزعيم الليبي ليس مجنونا ولا غبيا أبدا، كل ما في الأمر أن للرجل أسلوبه المختلف عن أساليب أغلب قادة الدنيا. أما جوهر سياساته -غير مزخرفة بزخرف القول الذي يصحبها عادة- فهو البقاء في السلطة بأي ثمن، ثم توريثها لابنه، كما هو شأن كل القادة العرب.

وقد تشرفت بلقاء العقيد وجها لوجه عام 1995 مشاركا في (المؤتمر التأسيسي الأول لمقاومة الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني)، ورأيت كيف تحول أعضاء المؤتمر بقدرة قادر إلى "ضيوف الفاتح"، إذ كان المؤتمر مرتبا بشكل متزامن مع عيد الثورة الليبية.

ولم ينته المؤتمر إلا وقد أصدر الأخ القائد –في إطار مقاومة التطبيع طبعا- أمره بطرد آلاف الفلسطينيين من ليبيا، وتركهم لمصيرهم في لهب الصحراء الليبية.

وفي خطابه بمناسبة عيد الفاتح شتم الأخ القائد كلا من مصر والسودان وتشاد شتما مقذعا، وهي الدول الثلاث الوحيدة التي شاركت بوفود رسمية في احتفالات عيد الفاتح.

وفي تلك الزيارة القصيرة لليبيا اكتشفت أن الأخ معمر اقتحم عالم الفتوى والأدب، بعدما ملأ الدنيا وشغل الناس بكتابه الأخضر ونظريته العالمية الثالثة. واطلعت على مجموعته القصصية "الأرض الأرض، والقرية القرية، وانتحار رائد الفضاء".

تلكم بعض الذكريات المريرة -الممزوجة بلذة الاكتشاف– التي ثارت في نفسي وأنا أتابع مبادرة الزعيم الليبي الأخيرة بالتخلي عن جميع برامج بلده التسلحية، ضمن اتصالات وتفاهمات لم تتضح كل أبعادها بعد مع سادة النظام العالمي الجديد.

ولأن الأخ القائد متمرس في فن التبرير، فقد أخرج مبادرته في ثوب من العبقرية السياسية والحكمة المتناهية، وطلب إعلامه من الدول العظمى –قبل الصغرى- الاقتداء به.

بل ذكرت القيادة الليبية أنها بمبادرتها تريد "إحراج إسرائيل" في الوقت الذي عبرت فيه إسرائيل عن غبطتها بالمبادرة، فهل سيقتنع بذلك من كانوا يستمعون إلى خطابات الأخ القائد الملتهبة خلال 34 عاما؟‍‍ إن "اللجان في كل مكان" وقد تكون اللجان في كل زمان أيضا، وهي كفيلة بذلك.

لم يتخل القذافي عن برامجه التسلحية بمحض اختياره وبشكل مشرف –كما فعلت جنوب أفريقيا– بل اختار لذلك أسوأ ظرف، فربط الجميع بين هذا التخلي واعتقال الرئيس العراقي صدام حسين، بكل ما يحمله ذلك من دلالات الخنوع من طرف قائد الثورة الليبية الذي حمل راية التحدي والعنتريات ثلاثة عقود.

كما لم يتخل عنها في وقت مناسب يمكنه من تدارك بعض المحن التي قاد إليها شعبه، بل جاء قراره متأخرا 17 عاما، وقد كان الأولى -والخاتمة هذه- أن يرفع الراية البيضاء عام 1986 حينما قصفت الطائرات الأميركية مقر إقامته.

لكن نظرية "الاستسلام الوقائي" هذه التي تمخض عنها ذهن العقيد القذافي مؤخرا لا يمكن فهم أبعادها إلا بوضعها في إطار نظرية "الحرب الوقائية" التي تمخض عنها ذهن الرئيس الأميركي جورج بوش منذ عامين.

ففي معرض تبريره للحرب ضد العراق مطلع هذا العام صرح الرئيس الأميركي جورج بوش بأن "الانتظار حتى يضرب الإرهابيون ليس خيارا، بل هو انتحار". بينما صرح لسان حال القذافي وغيره من القادة العرب بأن الانتظار حتى تظهر طلائع الجيش الأميركي ليس خيارا بل هو انتحار أيضا.

وهكذا ظهر في تاريخ المنطقة حلف جديد بين نظريتين تهدف إحداهما إلى الإخضاع وتبرر الأخرى الخضوع. وليست النظريتان جديدتين على الإطلاق، ولا هما ابتداع من معمر القذافي وجورج بوش، بل كانتا موجودتين منذ عقود على الجانبين العربي والأميركي، وليس التزام واشنطن "الأخلاقي" بتفوق إسرائيل على كل جيرانها العرب سوى تعبير عن منطق الإخضاع، وليست نظرية الرئيس المصري حسني مبارك حول "تجريد منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل" سوى صياغة مهذبة لمنظر الخضوع، إنما الجديد هو الجرأة في الطرح على الجانبين دون مجاملة من السيد ولا حرج من العبد.

لقد كتبت يهوديت رونين من معهد "موشي دايان للدراسات الشرق الأوسطية والأفريقية" في تل أبيب أن مبادرة القذافي هي "هدية أعياد الميلاد" منه إلى جورج بوش، وهي محقة في ذلك، ففي ظل هذا الحلف الجديد قدم القذافي لبوش ما عجز عنه في العراق، وأعطى مصداقية لفلسفة بوش وأمراء الحرب المحيطين به.

لكن موطن الضعف في التحالف الجديد بين "الحرب الوقائية" و"الاستسلام الوقائي" هو أن كلتا النظريتين تتغذى بالخوف وتغذيه، بينما تطمح كلتاهما إلى توفير السلم والأمن. ولذا فإن هذا الحلف سيكون له على الأرجح أثر عكسي مدمر على الأنظمة العربية وعلى المصالح الأميركية.

فتخلي الدولة -أي دولة– عن وظيفتها المبدئية في الدفاع عن أرواح مواطنيها وكرامتهم لا يمكن إلا أن يدفع مواطني تلك الدولة إلى أخذ أمر الدفاع والأمن بأيديهم. وظاهرة الإرهاب –في مدلولها السياسي والمجتمعي– لا تعدو أن تكون تحركا غير منطقي من شعوب تخلى قادتها عن كل منطق، وإمساك من الأفراد للقانون بأيديهم في بلدان لم يعد فيها قانون.

وهكذا فإن أميركا بدفعها القادة العرب إلى حضيض الاستسلام تزود الشعوب العربية بمزيد من دوافع الفعل العنيف والحركة غير الموزونة، وتتركها مكشوفة أمام مصيرها مجردا من كل زخرف أو غطاء.

وهذا الانكشاف النفسي، المطعم بشيء من مرارة المهانة وروح الانتقام، سيكون أخطر على أمن الولايات المتحدة من الأسلحة الروسية الصدئة في مخازن بعض الدول العربية، وهو أخطر من برامج "أسلحة الدمار الشامل" الوهمية التي ظل القول حولها أكثر من الفعل بكثير.

وفي واقع يطبعه إفلاس السلطة وخضوعها وإخضاعها ينفتح في الدول العربية والإسلامية مجال واسع لمبادرات الأفراد والجماعات الخارجة على السلطة المحلية وعلى النظام الدولي كليهما، ممن لا يجدون مكانا لهم في عالم القوة هذا، ولا يجدون فيه أملا في إحقاق حق أو إقامة عدل. وهو ما يعني أن على الحلفاء الجدد من فلاسفة "الحرب الوقائية" و"الاستسلام الوقائي" أن يستعدوا لمصاعب مستقبلية جدية، وما محاولة اغتيال الجنرال الباكستاني برويز مشرف سوى إشارة إلى الأيام الدموية الآتية.

ليس من شأن القيادة الحياد، ولا طبيعة القيادة تسمح بذلك، فهي إما أن تقود أو تتحول إلى قيد، وبإمعان أميركا في تقييد قادة الدول العربية والمسلمة وتحويلهم إلى قيود على شعوبهم، وبإمعانها في إقصاء القوى السياسية -الإسلامية وغير الإسلامية- المؤمنة بالديمقراطية والحوار، التي تصلح بديلا منطقيا لهذه الأنظمة فإنها تعضد معسكر العنف السياسي، وتضع المبادرة في يد من يتبنونه نهجا وحيدا في المنازلة والتغيير.

وباستسلام قادة الدول العربية والإسلامية لهوى واشنطن في الطاعة غير المشروطة، وبإقصائهم منافسيهم من قوى التداول السلمي فإنهم لا يتركون لشعوبهم من خيار سوى اللحاق بقوى العنف ودعمها، بعد أن انسدت كل السبل أمامها. فهل يدرك الأميركيون وزبناؤهم في المنطقة أي سياسة قصيرة النظر ينتهجون؟!

ويبقى القول إن القذافي بنى نظريته في الاستسلام الوقائي على قراءة سياسية خاطئة كالعادة، فهدف الولايات المتحدة ليس حماية أرواح الأميركيين من الأسلحة الليبية، ولو كان الأمر كذلك لهان الأمر وقرب المأخذ، لكن هدف الولايات المتحدة لا صلة له بذلك، ولم تكن الأسلحة الليبية –حتى في عز الحماس الثوري لدى العقيد– خطرا على أرواح الأميركيين.

فنزع الأسلحة لن يغير من أهداف أميركا ولن يوقف طموحها في ضم ليبيا –بعد العراق- إلى لائحة الدول العربية النفطية التي تتحكم في قرارها الإستراتيجي منذ 50 عاما، والعقيد القذافي ولو خرج من جلده لا يصلح عضوا في ذلك النادي.

وتؤكد لنا مبادرة القذافي المفاجئة لليبيين قبل غيرهم أن شرعية القرار السياسي تستلزم وجود سلطة شرعية ابتداء، فالفصل بين شرعية بناء السلطة وشرعية أدائها التي طالما استغله القادة "الثوريون" العرب لتبرير تسلطهم لم يعد له معنى، ولم يعد أمام الشعوب سوى تغيير بنية السلطة بما يجعلها تتجاوز ذاتها وتخدم الشعب، بدلا من خدمة الذات أو خدمة الأجنبي المتحكم.

إن ما دعاه الدكتور برهان غليون "تغيير منطق السلطة" هو الخيار الوحيد أمام الشعوب العربية للحفاظ على ما تبقى لها من ماء وجه يكاد يغيض ومقومات بقاء تكاد تنضب.

يقولون إن الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب، لكن يبدو أن حرب واشنطن على ما يدعى "الإرهاب" ستكون استثناء من هذا القول، فقد أدت إلى تكشف العديد من الحقائق وانكشاف العديد من السوءات أمام الشعوب العربية، وأهمها حقيقة بعض الأنظمة التي طالما تغذت على شعارات التحرر والثورة.

لقد أسلم الحكام العرب -وآخرهم القذافي- شعوبهم أمام أول عدو طارق، وتخلوا عن آخر مقومات الشرعية السياسية، لكن أمرا واحدا يستحقون عليه الشكر الجزيل، رغم أنه جاء متأخرا بعض الشيء، وهو أنهم كشفوا عن وجوههم حاسرة في نهاية المطاف، فشكرا لهم نيابة عن كل مواطن عربي.

وأخيرا لا بد أن نعترف بأن عقيدة بوش في الحرب الوقائية برهنت على نجاحها في التعاطي مع أنظمة غير شرعية لا يهمها غير حماية عروشها المتهاوية، لكن هل تنجح تلك العقيدة في التعاطي مع أمة عظيمة بدأت تتقدم إلى مسرح التاريخ بعد طول غياب؟

* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

 

هل ينقذ العرب جنوب السودان من الانفصال؟

 

محمد جمال عرفة

من المتوقع أن يشهد السودان خلال الأسابيع القليلة المقبلة إبرام اتفاق سلام نهائي بين الحكومة السودانية وحركة التمرد الجنوبية (الحركة الشعبية لتحرير السودان) بعدما أوشكت أطراف التفاوض على الانتهاء من كافة نقاط الخلاف، وبموجب هذا الاتفاق سينتقل السودان إلى فترة انتقالية مدتها 6 سنوات يفترض أن تنتهي باستفتاء لتقرير مصير الجنوب السوداني إما بالوحدة أو الانفصال عن الوطن الأم.

وتكمن أهمية وخطورة الاتفاق النهائي المنتظر ليس في التوقيع عليه ووقف الحرب الأهلية المستمرة منذ 20 عاما، ولكن فيما ستنتهي إليه الفترة الانتقالية، ومدى قدرة الشمال السوداني (ومعه الدول العربية) على إقناع الجنوبيين قولا وفعلا بخيار الوحدة مع الشمال، وتحديدا عبر سلسلة من عمليات إعمار الجنوب السوداني، وربط الجنوبيين بالوطن الأم، وترغيبهم في خيار الوحدة.

وسيكون العبء الأكبر في هذه الفترة الانتقالية على مصر أكثر الدول العربية تضررا من انفصال جنوب السودان، وعلى العالم العربي الذي سيفقد 23% من أرض السودان -هي مساحة الجنوب- إذا اختار الجنوبيون في نهاية الفترة الانتقالية خيار الانفصال؛ ليزداد تشرذم الدول العربية وضعفها، وتخسر سلة غذاء العالم العربي (السودان) ربع طاقتها تقريبا، ولهذا ستحاول مصر والدول العربية جعل الوحدة خيارا جاذبا لمواطني جنوب السودان عن طريق إعمار الجنوب من آثار الحرب السودانية الطويلة.

إذ إن هناك من المحللين من يشكك في أن يفلح العرب في إدارك وحدة السودان، ويشيعون أن حالة الضعف العربي العام قد تضع السودانيين في مهب الريح وتضيع وحدة السودان، وبالمقابل يرى فريق آخر متفائل أن حالة السودان مختلفة، وأن هناك أملا في مساندة عربية حقيقية لوحدة السودان من باب إعمار الجنوب، ويعتبرون هذا تحديا حقيقيا أمام العرب.

وقد بدأت الجامعة العربية تحركا إيجابيا مبكرا في هذا الصدد؛ حيث كلف الأمين العام لجامعة الدول العربية "عمرو موسى" الأمانة العامة للجامعة واتحاد المستثمرين العرب مع الحكومة السودانية بتنظيم مؤتمر في الجامعة للترويج للمشروعات الاستثمارية في جنوب السودان بحضور المسئولين والوزراء العرب إلى جانب قاعدة من رجال الأعمال العرب ومؤسساتهم وممثلي غرف التجارة والزراعة في البلاد العربية والاتحادات والمنظمات والشركات العاملة في مختلف قطاعات العمل الاقتصادي والعربي المشترك والمؤسسات الاستثمارية والمالية والمصرفية، بما فيها الصناديق وشركات الاستثمار العامة والخاصة.

وسوف تتناول جلسات المؤتمر المقرر عقده في 20 فبراير القادم أربعة محاور، هي:

1- التعريف بجنوب السودان ومناخ وظروف الاستثمار.

2- ضمانات وأنظمة الاستثمار في جنوب السودان.

3- الترويج للمشروعات الاستثمارية الخاصة بالجنوب.

4- دور الصناديق ومؤسسات التمويل العربية والمنظمات العربية المتخصصة والاتحادات العربية النوعية.

مساهمات عربية

وهناك تعهدات عربية كثيرة للمساهمة في الإعمار في جنوب السودان تحت مظلة الجامعة العربية، منها استعداد الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي للإسهام بمبلغ 75 مليون دولار لإنشاء طريق "الرنك-ملكال"، والمسمى طريق السلام الذي يربط شمال السودان بجنوبه، كما أعلن الصندوق استعداده بالمساهمة بمبلغ 10 ملايين دولار لتكملة وبناء محطات لتنقية المياه وحفر آبار وبناء سدود صغيرة بالجنوب. وأكد الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية استعداده لمنح أولوية لتمويل مشروع إعادة تأهيل النقل النهري.

وأعلن الصندوق السعودي للتنمية عن استعداده لتمويل مشروعات أخرى بجنوب السودان. كما تعهد صندوق أبو ظبي للتنمية بتمويل مشروعات في مجال إعادة تأهيل السكك الحديدية من ببانوسه إلى واو بالجنوب السوداني. ووافق البنك الإسلامى للتنمية على تمويل 25 مركزا صحيا في السودان وخاصة الجنوب وتنفيذ برنامج لمكافحة الملاريا.

مشروعات بدأت في التنفيذ

ومن المشروعات التى دخلت حيز التنفيذ مشروع طريق السلام، الذي يتضمن طريق الجبلين بطول 97كم بتمويل بيت الخبرة السعودي بمبلغ 30 مليون دولار، وتكفلت الحكومة السودانية بتشييد الكباري على هذا الطريق.

وهناك طريق الرنك-فوج بطول 150كم الذي رصدت له وزارة الطاقة السودانية مبلغ 25 مليون دولار لإنشاء قواعده الأساسية، وتجرى المباحثات بعد الموافقة المبدئية لتمويل إنشاء الطريق بمبلغ 150 مليون دولار مناصفة بين كل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والصندوق السعودي للتنمية لاستكمال الطريق حتى مدينة فوج.

أيضا هناك مشروع دعم شبكة المياه بجنوب السودان بمنحه قدرها 10 ملايين دولار مقدمة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ويتضمن المشروع إنشاء شبكة مياه مدينة الرنك (بولاية أعالي النيل) وإنشاء 9 محطات نيلية على النيل الأبيض لعدد 9 مدن صغيرة، وحفر 50 بئرا جوفية في مواقع مختلفة، وعدد 200 بئر سطحية، بالإضافة إلى إنشاء 25 خزانا أرضيا.

وهناك مدارس البنك الإسلامي للتنمية وعددها 22 مدرسة للتعليم الأساسي في جنوب السودان مزودة بالماء والكهرباء ودور السكن، وكهرباء مناطق جبال النوبة وهي من المناطق التي امتدت إليها الحرب بتمويل قدره 11 مليون دولار من مؤسسة جابر الصحان بالسعودية، ويتضمن المشروع توفير 34 مولدا كهربائيا لعدد 17 منطقة.

إضافة إلى إنشاء 52 موقعا خدميا في الولايات الجنوبية، يتضمن كل موقع منها إنشاء مدرسة للتعليم الأساسي ومستشفى ومجمعات سكنية وإضاءة وخدمات ومياه، ويتم استكمال المشروع خلال عامين بمبلغ 60 مليون دولار، وكذلك إعادة تأهيل مدينة جوبا كبرى مدن الجنوب السوداني، ويشمل التأهيل البنى التحتية (المطار والطرق الداخلية والميناء النهري والمياه).

استثمارات مستقبلية

وقد أعدت الحكومة السودانية جملة أخرى من المشروعات الاستثمارية التي يمكن إقامتها في مواقع عديدة من جنوب السودان يفترض أن تساعد الصناديق العربية فيها، منها:

- مشروع "أرز أويل" يقع غرب الولايات الجنوبية، مساحته 18600 فدان، ويحتاج إلى 4.39 ملايين دولار.

- مخازن تبريد وإنتاج الثلج في الدمازين للمساعدة في إنتاج الثروة السمكية والصناعات الغذائية واللحوم بتكلفة 1.3 مليون دولار.

- زراعة 500 ألف فدان في منطقة جونقلي بالحبوب والقطن، ويتطلب ذلك مبدئيا 10 ملايين دولار.

- إنتاج السكر الأسمر في ملوط بأعالي النيل، ويتطلب 700 ألف دولار.

- إنتاج الصمغ العربي في ولاية جونقلي في مساحة 500 ألف فدان بتكلفة 50 مليون دولار.

- تطوير الثروة الحيوانية بالولايات الجنوبية لحماية وصيانة هذة الثروة، وزيادة الإنتاج الحيواني والسمكي، وتوفير اللحوم والألبان، وتوفير الأمصال للوقاية من الأمراض، وتوفير مدابغ للجلود بتكلفة قدرها 20 مليون دولار.

هذا بالإضافة إلى مشروعات أخرى كثيرة في التعدين والمجالات الزراعية والصناعية والطاقة والبترول.

وسوف تعقد جامعة الدول العربية ورشة عمل تضم كل المنظمات العربية المتخصصة في 15 يناير القادم 2004 لتفعيل دور هذه المنظمات، وتقديم المشروعات المقترحة من الحكومة السودانية، وتقديم برامج المنظمات العربية، بالإضافة إلى تقديم التصور حول ضمانات الاستثمار في السودان.

وسوف تتناول جلسات عمل الورشة المحاور الآتية:

1- جلسة عمل حول العون الفني.

2- جلسة عمل حول دراسات المشروعات.

3- جلسة عمل حول آفاق الاستثمار ومصادر التمويل.

4- جلسة عمل حول حول ضمان الاستثمار في السودان.

مصر والسلام الاجتماعي

وهناك أيضا تحرك مصري ملحوظ للتكامل المصري السوداني في كافة المجالات بتنشيط كل أوجه الاستثمار والتعامل التجاري بين البلدين، مع إعادة فتح فرع جامعة القاهرة بالخرطوم، والاتفاق على إنشاء فرع لجامعة الإسكندرية بمدينة جوبا بجنوب السودان.

وفي الأيام القليلة القادمة ستكون هناك قمة مصرية سودانية بين الرئيسين "مبارك" و"البشير" لبحث أوجه الاستثمار في الجنوب السوداني أيضا، بجانب المشاريع المصرية السودانية المشتركة في إطار التكامل.

ومن الملاحظ أن كل الدعم والتمويل سواء العربي أم الخارجي كله موجه للجنوب السوداني، مع العلم أن هناك مناطق أخرى كثيرة عانت ويلات هذه الحرب بما فيها الخرطوم العاصمة، ومناطق غرب السودان. المخاوف هنا أن يتنقل التمرد من الجنوب إلى الغرب بعدما بدأت حركة تمرد في الغرب السوداني في دارفور بسبب حالة الفقر هناك، وتدهور الأحوال المعيشية.

ماذا لو اختاروا الانفصال؟

وهنا يلح سؤال: ماذا بعد كل هذه الاستثمارات والوعود للجنوب السوداني؟ وماذا لو كان اختيار الجنوبيين في النهاية هو الانفصال بعد كل هذه المشاريع؟ وما هي الضمانات التي تجعلنا نضمن سودانا موحدا؟ وهل الإسهام بكل هذه الأموال للجنوب في الفترة الانتقالية سيضمن الوحدة؟

لا شك أن هناك حاجة للتركيز على تنمية الجنوب لمنع انفصاله، ولأن أرضه شهدت أغلب الحروب وأشرسها خلال العشرين عاما الماضية، حتى قيل: إن الحرب الأهلية الدائرة منذ 1983 في السودان وما نجم عنها من مجاعة وأمراض وفقر أدت إلى مقتل ما بين مليون و1.5 مليون شخص، ونزوح ما لا يقل عن 4 ملايين آخرين، بحسب مصادر إنسانية.

ولا شك أن هناك عوامل أخرى بجانب التنمية للسودان كله وليس الجنوب بمفرده يجب أن تؤخذ في الاعتبار، منها السلام الاجتماعي الذي سيحتاج إلى مدة طويلة لانسجام السودانيين مع بعضهم البعض، خصوصا في ظل تعدد الأعراق والديانات والثقافات.

ولكن المشكلة هنا أن هناك مخاوف حقيقية من لعب أطراف دولية وكنسية واستخبارية أدوارا مشبوهة لانفصال الجنوب لتحقيق مصالحها على حساب السودان والعرب، ولخدمة أهداف استعمارية قديمة جديدة في المنطقة، وأن تلعب هذه الأطراف على وتر الانفصال، بل وتحاول التعتيم على الدور العربي في إنقاذ الجنوب من الانفصال وخطر تقسيم السودان.

فهل ينجح العرب في إنقاذ وحدة السودان؟ وهل تفلح المساعدات والمشاريع المالية وحدها في تحقيق هذا الغرض؟ وهل ينجح العرب في الوصول الفعلي بجهودهم إلى الجنوب، واقتحام عرين المنظمات التبشيرية والاستخبارية الدولية المشبوهة وليس فقط الاكتفاء بدفع المال؟

لا شك أن ألف باء النجاح هو التواصل السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع الجنوبيين، والدفع باتجاه تعمير كل مناطق السودان المتضررة من الحروب؛ الأمر الذي سينعكس فعلا وعملا على تعافي سلة غذاء العالم العربي، وبدء عجلة دورانها لخدمة المصالح العربية المشتركة في وقت تتحدث فيه التقارير الدولية عن أزمة غذاء قادمة لن يسلم منها العالم العربي.

 

جدد أعضاءك بنصف لتر دم!

د. طارق قابيل 

شركة بريطانية صغيرة أسستها عالمة عربية مسلمة بالتعاون مع زوجها، طورت أسلوبا جديدا لإنتاج الخلايا الجذعية، وغيرت موازين العقيدة العلمية الراسخة. ومن المتوقع أن تحدث ثورة طبية حقيقية شاملة تغير مستقبل الطب. 

يتمثل هذا الإنجاز العلمي في تطوير طريقة لتحويل خلايا الدم العادية إلى خلايا جذعية قادرة على تجديد الأنسجة المتضررة أو المريضة. وإذا صح هذا الإنجاز العلمي الهام فستوفر هذه التقنية علاجا ناجعا للعديد من الأمراض كأمراض القلب ومرض باركنسون، فضلا عن إنهاء الجدل الدائر حول استخلاص الخلايا الجذعية من الأجنة البشرية.

وتزعم شركة "تراي ستم" TriStem -مقرها لندن- أن الطريقة التي طورتها تجنب الحاجة لاستخدام الأجنة، وهي مصدر غني بالخلايا الجذعية التي يمكن أن تتطور إلى أي نوع آخر من أنواع الخلايا، كما تدعي أنها تستطيع أخذ نصف لتر من دم أي إنسان، وتقوم باستخلاص خلايا الدم البيضاء، وتقوم بتحويلها إلى خلايا شبيهة بالخلايا الجذعية خلال عدة ساعات، ومن ثَم يتم تحويل هذه الخلايا الجديدة إلى تشكيلة كبيرة من الخلايا الحية التي تستطيع إصلاح العديد من الأنسجة والأعضاء المعطوبة في جسم الإنسان. وقد ينهي ابتكار شركة "تراي ستم" الجدل الدائر حول الخلايا الجذعية، ولن يكون هناك حاجة لاستغلال الخلايا الجذعية التقليدية المنتجة من الأجنة المجهضة.

البرهان

قابل العلماء المتخصصون هذه الأخبار الجديدة بتشكك وإنكار واضحين؛ نظرا لأن هذا الاكتشاف هو الأول من نوعه في هذا المجال، ولأن الطريقة الجديدة تتحدى العقيدة العلمية الراسخة التي يعتقد فيها بعض العلماء أن الخلايا المتخصصة لا تستطيع العودة إلى الخلف والتحول إلى حالة غير متخصصة، أو التحول إلى نوع آخر من الخلايا. ولهذا قامت الشركة بتجربة الطريقة الجديدة أمام فريق من العلماء في جامعة "جورج واشنطن" بالولايات المتحدة، ويقول عضو الفريق "تيم ماكافري" -باحث القلب والأوعية-: "أنا كنت شكاكا جدا.. لقد قاموا به أمام عينيّ وباستخدام عينة من دمي.. إنه عمل مذهل".

وأعطت الشركة برهانا آخر على صحة ادعاءاتها بالتعاون مع باحثين مستقلين في الولايات المتحدة، واستعملت الشركة أسلوبها الخاص لتحويل خلايا الدم البيضاء إلى الخلايا الأم الخاصة بتوليد الدم الموجودة في النخاع العظمي. وعندما حقنت هذه الخلايا في الفئران هاجرت إلى النخاع العظمي، وولدت تقريبا كل الأنواع المختلفة لخلايا الدم الإنسانية، وسينشر هذا البحث مفصلا في طبعة يناير/كانون الثاني من مجلة "البحث والرأي الطبي الجاري"Current Medical Research and Opinion (vol 20, p 87) وهي مجلة بحثية محكمة في العلوم الطبية.

أكثر من ذلك بكثير!

ويقول العلماء: إن طريقة استبدال النخاع العظمي التي طورتها شركة "تراي ستم" تستطيع إنقاذ عشرات الآلاف من الناس الذين يحتاجون لزرع النخاع كل سنة. لكن الشركة تدعي أنها تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك بكثير.

وتقول الدكتورة "إلهام صالح أبو الجدايل" -مؤسسة شركة "تراي ستم"-: "إن تبني طريقة الزراعة الخلوية المعيارية التي طورتها الشركة من الممكن أن تؤدي إلى إنتاج خلايا الدم والقلب والأعصاب والعظم والغضاريف والعضلات والكبد وخلايا البنكرياس".

ولم تنشر الشركة حتى الآن النتائج التي تثبت صحة هذه الادعاءات في مجال الخلايا الجذعية البشرية؛ فمنذ أن عملت الشركة بالخلايا الإنسانية فقط لم تستطع أداء الاختبار المعياري "المعيار الذهبي" لاستعمال الخلايا الجذعية الذي يتم عادة عن طريق نقل الخلايا الجذعية الجديدة إلى جنين بشري لدراسة تشكيلها لجميع الأنسجة البشرية في الأجنة. لكن إذا نجحت طريقة "تراي ستم" فسيستطيع العلماء إنتاج تشكيلة واسعة من الخلايا، وستكون لها تطبيقات علاجية هائلة.

وسوف ينهي هذا الإنجاز جميع القضايا الأخلاقية المرتبطة بالخلايا الجذعية الجنينية، وهي أكثر أنواع الخلايا الجذعية شائعة الاستعمال في البحوث الطبية. كما تسهل الطريقة الجديدة معالجة الأشخاص بخلاياهم، وتجنب أي مشاكل ناتجة عن رفض الجسم لهذه الخلايا؛ ووهو ما ينتج عن مقاومة جهاز المناعة. وتساعد الطريقة الجديدة على الاستغناء عن طرق الاستنساخ العلاجي للخلايا الإنسانية لاستخراج الخلايا الجذعية.

المخترع.. سيدة عربية مسلمة!

وتعتبر الباحثة الدكتورة "إلهام صالح أبو الجدايل" هي المخترع الوحيد لتقنية "تراي ستم" التي اعتمدت على اكتشافها عملية "إعادة التشكل" في أوائل التسعينيات، والطرق المتطورة لتشكيلها لمجموعة كبيرة من الخلايا والأنسجة.

والدكتورة "أبو الجدايل" سيدة سعودية عربية مسلمة من مواليد عام 1959م، حاصلة على شهادة البكالوريوس في علم بيولوجيا الخلية عام 1985م، وعلى درجة الدكتوراة في علم المناعة عام 1990م من جامعة لندن، وتعمل كعالمة بيولوجيا جزيئية وخلوية منذ عام 1982م، ونشرت العديد من المقالات في المجلات العلمية المحكمة. وعملت كمستشارة إخصائية مناعة في مستشفى الملك فهد للقوات المسلحة في جدة في الفترة من 1990 إلى 1997.

وترجع الباحثة "أبو الجدايل" توصل شركتها إلى هذه "المعجزة" العلمية التقنية إلى استعمالها لأجسام مضادة صنعتها شركة "داكو سيتوميشن" Dako Cytomation الدنماركية في أوائل التسعينيات لاكتشاف خلايا الدماغ الشاذة، وقد استخدمتها الباحثة أثناء عملها كمستشارة إخصائية في علوم المناعة لقتل خلايا اللوكيميا، وبدلا من أن تقتل الخلايا قامت بإحداث تغييرات شكلية في الخلايا، أدت لازدهارها في المزارع الخلوية. ووجدت أن هذه الخلايا الكاملة النمو التي تختص بعمليات الدفاع عن الجسم يمكن أن تعود إلى مرحلة بدائية من مراحل التكوين هي مرحلة النشأة -أو ما يعرف بالخلايا الجذعية-، وهي خلايا بدائية غير متخصصة وظيفيا. هذه الخلايا قادرة على تجديد وترميم أنسجة وأعضاء عديدة في الجسم الإنساني بما فيها الخلايا العصبية.

وتقول الدكتورة "أبو الجدايل": "إن الجسم المضاد يرتبط بمستقبل على سطح الخلية"، ولكنها لم تحدد بعد كيفية تحفيز الجسم المضاد لعملية "إعادة التشكل" أو "التميز الارتجاعي" retrodifferentiation لإنتاج ما تسميه بـ"أشباه الخلايا الجذعية". وتفسرها بحدوث محو لبرنامج الخلية المتخصصة إلى أن يصبح برنامجا مبسطا كما هو الحال في الخلايا الجذعية؛ ومن ثم يمكن برمجة الخلايا ثانية للقيام بوظائف متعددة.

ويعتقد بعض العلماء المتشككين أن الأجسام المضادة قد تقتل خلايا الدم البيضاء العادية وتترك الخلايا الجذعية، لكن "ماكافري" -باحث القلب والأوعية الأمريكي- يرفض هذا الادعاء، ويقول: إن الاختبارات تظهر أن خلايا الدم البيضاء تظل حية وبنسبة كبيرة تصل إلى 95% من إجمالي عدد الخلايا.

ولا يعرف أحد ما هو السبب في تجاهل الدوائر الطبية والعلمية لبحث الدكتورة "أبو الجدايل" طوال هذه السنوات. ولكن الاهتمام الإعلامي العالمي ببحثها يتزايد الآن. ولقد قامت الباحثة بتوثيق هذا البحث، ثم تقدمت به إلى الباحثين في مستشفى هامر سميث والكلية الملكية "إمبريال كولدج" في لندن الذين استغرقهم الأمر 6 سنوات كاملة للتحقق من جدية البحث.

وقدمت "أبو الجدايل" طلبا للحصول على براءة اختراع لطريقة "إعادة التشكل" في عام 1994، وقامت بتأسيس شركة "تراي ستم" بمساعدة زوجها "غازي دوت" في عام 1999، ثم كافحت الشركة من أجل إقناع العلماء بأن طريقتها الجديدة يمكن استخدامها في العلاج.

وهي واثقة بما فيه الكفاية بأن طريقتها الجديدة يمكن تطبيقها على البشر، ومن الممكن استعمالها في التجارب السريرية على البشر. وبالفعل حصلت الشركة على رخصة حكومية لتنفيذ تجربة طبية في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 لاستخدام تقنيتها الجديدة لإنتاج الخلايا الجذعية من دم المتبرعين. وستستعمل الطريقة لمعالجة مرضى بنوع خاص من فقر الدم Aplastic Anaemia، ويكون لديهم نقص حاد في نخاع العظم. ومن المتوقع أن تحصل الدكتورة "أبوالجادايل" على النتائج في نهاية شهر مارس/آذار من العام المقبل (2004م).

وتأمل الدكتورة "أبو الجدايل" في أن تستطيع عن طريق هذا الكشف أن تخفف من آلام كثيرين من المرضى ومنهم أشخاص قريبون جدا إلى قلبها.